الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

مشكلة تشاؤم

كان أفراد الشعب لا يحبون أطما، يسمونه 'شوبنهاور الصغير' لأنه يكشّر في وجوههم دوما، مع أن شوبنهاور كان قد أطلق على كلبه هذا الاسم لأنه يعني في الثقافات الهندية القديمة 'روح العالم'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/09/02، العدد: 10384، ص(24)]

هربت من التشاؤم في الشرق، فوجدت مدرسة أبنائي تعلوها لوحة كتب عليها “مدرسة شوبنهاور”. شوبنهاور ما غيره فيلسوف التشاؤم الألماني. فقررت أن أعيد النظر في فكرتي عنه، لأنه لا يعقل أن أوافق على ظلال العبوس وهي تحيط بمرح الطفولة. ولذلك بحثت من جديد عن شوبنهاور.

لماذا يكره الناس هذا الرجل؟ هل لأنه طالب بالعقل والإرادة؟ أم لأنه كان يشعر بأنه مختلف عن الآخرين، ولذلك لم يتقبله الناس، ولم يذكروه بالخير؟

كان شوبنهاور يعتقد أن سبب ذلك غيرة الناس منه، لأنه متفوق عليهم جميعاً، ولأنه كان حاد الطباع ومغرورا وذكيا جدا.

عاش في فندق أكثر من ثلاثين عاما، لم يشاركه في تلك السنوات إلا كلبه “أطما”. لكن المؤرخين يقولون إن شوبنهاور كان غاضبا وتعيسا حينها، أما بعد أن انتشرت فلسفته التشاؤمية، فقد أخذ شوبنهاور يشعر بالرضا والسعادة.

اكتشاف شوبنهاور الأهم كان فهمه الخاص للحوار والجدل، الذي اعتبره ليس أكثر من “أن نثبت أننا على حق”. وهذا سهل للغاية، ويختلف كليا عن كون أن ما ندافع عنه هو حق أو لا. وكي يبرهن على هذا كتب عن أكثر من ثمانين حيلة نصح بها الناس ليثبتوا فيها وجهة نظرهم حتى لو كانت غير صحيحة. إذ يمكن لتلك الحيل أن تحقّ الحق أو الباطل، كما يرغب المتحدث.

كتب شوبنهاور مرة “لقد اكتشف السيميائيون أثناء بحثهم عن الذهب، الكثير من الأشياء الأكثر نفعا”. وهو محق في هذا، فكثيرا ما وجدنا في الطريق أعظم بكثير مما يمكن أن نجده عند الوصول إلى هدفنا.

وهو يرى أن “الموسيقى تتألف من تعاقب من مركبات صوتية غير مريحة للأذن إلى هذا الحد أو ذاك، أو بالأحرى من مركبات صوتية تثير القلق، مع مركبات صوتية مريحة، مثلما أن حياة القلب هي تعاقب للقلق في الحياة، من خلال الرغبة أو الخوف”.

المهم، وبعد حين من الزمن، اتضح أن شوبنهاور لم يكن تشاؤميا كما يقال عنه. بل كان عمليا. لا وقت لديه للترّهات والتشاطر. لم يكن يحترم الجدالات التي تناقش البديهيات، فعلى الإنسان أن يكون ذكيا بما يكفي لفهم العالم. واليوم، يمكنك أن ترى حول مدارس الأطفال في الشرق، شبح شوبنهاور، ينظر من ناصية الطريق، إلى الذين يعلّمون الصغار الأفكار الخاطئة عن الوجود. وفي الغرب توصل الأمهات أطفالهن إلى المدرسة، وينظر شوبنهاور إليهن ويحك حاجبه الأشعث المبيض متلصصاً من شرفة غرفته. فقد اعتاد أن يستيقظ في الصباح الباكر، يأخذ حماما ساخنا ثم يشرب كوبا من القهوة، ويجلس خلف مكتبه للعزف على الكمنجة حتى الظهر. يخرج بعدها من غرفته، إلى أحد المطاعم، وفي المساء يذهب إلى المسرح، ثم يتمشى في الغابة وشوارع المدينة مع أطما.

كان أفراد الشعب لا يحبون أطما، يسمونه “شوبنهاور الصغير” لأنه يكشّر في وجوههم دوما، مع أن شوبنهاور كان قد أطلق على كلبه هذا الاسم لأنه يعني في الثقافات الهندية القديمة “روح العالم”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر