السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

المهنة: لا شيء

اليوم يتجه العديد من الأزواج في المجتمعات الغربية إلى القطع مع العادات المتوارثة في تحديد أدوار الذكور والإناث من خلال مساعدة النساء على القيام بالأعمال المنزلية التي كانت حكرا على المرأة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/09/02، العدد: 10384، ص(21)]

إلى يومنا هذا مازال مدوّن على بطاقات الهوية وجوازات السفر الخاصة بالعديد من النساء التونسيات اللاتي لا يشتغلن خارج البيت "المهنة: لا شيء"!.

ولا أستغرب أن يسود الأمر نفسه في جل البلدان العربية التي تستهين فيها المجتمعات الذكورية بدور "مربية الأجيال"، ولا تنظر إلى عملها داخل البيت بالعين الكبيرة، بل تُصغّره مهما عظم، وفي الغالب تهمشه. وهذا يدل على الإجحاف الكبير في حق المرأة التي تنفق ساعات طويلة ومضنية في العناية بأسرتها، قد تتجاوز ساعات العمل التي يؤديها الرجل يوميا، فيما يحصل هو على مقابل مادي نظير تعبه، ولكنها لا تكافأ في غالب الأحيان على مهامها المتعددة، ولو بكلمات عرفان بالجميل، تثمن مجهودها الجبار.

الاعتقاد السائد بأن المرأة أقل قدرة من الرجل على القيام بالمهام المتعددة دوافعه واهية، فالمرأة لم تدّخر أي جهد ولا وقت من أجل الرفع من شأن أسرتها ومجتمعها، ولكن الذين يرون العكس لا يسرهم نجاحها، ويريدونها أن تكون دائما خادمة خانعة لا رأي لها ولا إرادة.

لا تبدو الإحصائيات دقيقة أو متفقة على رقم معين بخصوص قيمة ما تقوم به المرأة داخل البيت أو خارجه، غير أن منظمة الأمم المتحدة أشارت في أحد تقاريرها إلى أن عمل النساء غير مدفوع الأجر بحساب الساعات وكلفة المهام المختلفة التي تقوم بها في سوق العمل الخارجي، قدرت بحوالي 10 إلى 39 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول. ولكنني لا أعتقد أن هناك رقما أو ثمنا ماديا، يمكن أن يعادل تضحيات “ربة البيت” في رعاية أسرتها، والدور الجوهري الذي تقوم به في تنشئة الأجيال القادرة على تحقيق الرقي والرخاء للمجتمعات.

النساء ثروة بشرية لا تقدر بثمن ولهن دور حيوي داخل الأسرة وفي المجتمع، وقد تمكنّ من تحقيق نجاحات رائدة في العديد من المجالات التي كانت حتى وقت قريب حكرا على الرجال، ولكن التمييز الممنهج ضدهن يظل موجودا، ويمثل عقبة في طريق نجاحهن.

ربما تكون النساء اللاتي يعملن خارج المنزل أفضل حال بقليل من "ربات البيوت" لأنهن يملكن المال، ومن يملك المال يمتلك الاستقلالية الاقتصادية وسلطة الرأي، ولكنهن أيضا عاجزات عن كسر صورة "ربة المنزل"، فمعظم المهام المنزلية مازالت مناطة بعهدتهن، ويقضين يوميا ساعات طويلة في الطبخ والتنظيف والعناية بالأطفال والتسوق، وأحيانا تضطر الكثيرات منهن إلى التخلي عن وظائفهن وطموحاتهن بسبب عجزهن عن التوفيق بين العمل خارجا والمهام الأسرية، فيما لا يكون الرجال مضطرين لا إلى القيام بالأعمال المنزلية ولا إلى التخلي عن وظائفهم إلا في حالات نادرة.

والسائد اليوم في بعض الدول الأوروبية أن العديد من الأمهات يتجهن إلى التوقف عن العمل الخارجي بهدف التفرغ لرعاية الأسرة، وذلك لما يحظين به من امتيازات مالية واجتماعية تقدمها لهن حكومات بلدانهن، ولكن في البلدان العربية تجبر المرأة على البقاء في المنزل بسبب التمييز الذي تواجهه في سوق الشغل على الرغم من تفوقها الأكاديمي، ولا تحصل في معظم الظروف الصعبة التي قد تعيشها على مساعدات تحفظ كرامتها وتشعرها بقيمتها.

اليوم يتجه العديد من الأزواج في المجتمعات الغربية إلى القطع مع العادات المتوارثة في تحديد أدوار الذكور والإناث من خلال مساعدة النساء على القيام بالأعمال المنزلية التي كانت حكرا على المرأة. ولديهم ألف حق، فالاختلاف بين الرجل والمرأة سببه الوحيد هو العالم الذي يعيشون فيه والذي تكون فيه الأسرة مسؤولة بدرجة كبيرة عن “التنميط الجنساني” لدور الرجل والمرأة داخل المجتمع.

وأحمّل المرأة نصف المسؤولة في تهميش جنسها، فما نلاحظه اليوم داخل العديد من الأسر أن بعض الأمهات يعمدن إلى التفرقة بين أبنائهن الذكور والإناث، فيجبرن الفتيات على القيام بالأعمال المنزلية فيما يترك المجال للذكور للعب واللهو، ومن ثم يدرك الجنسان قيمتهما منذ الصغر، فتترسخ في ذهن الذكر فكرة أن الأعمال المنزلية ليست من اختصاصه، فيما يصبح لدى الفتاة اعتقاد راسخ بأنها خلقت لتكون "ربة بيت"، وتتدعم هذه الفكرة من خلال المعتقدات السائدة في المجتمع.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر