الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الأفغاني الذي ورطني

عرفت من شهرزاد في الكتاب، ما لم أكن أعرفه عن القراءة، وذهبت معها إلى الأماكن التي خرجت منها خطوط هاشم البغدادي، وغرقت في البحر مع السندباد وطرت على بساط الريح. وعرفت الكثير عن الجسد، والكثير عن الحب، والكثير عن الشعر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/09/04، العدد: 10386، ص(14)]

لا مكان غير لغة الصورة

اعتدت في سنوات مبكرة، قضاء الليل منهكماً في الرسم، فإذا طلع الصباح، ذهبت إلى المدرسة الابتدائية من غير نوم. ولم أكن أعيش حينها عزلة كما يمكن أن يتخيل المرء. فالليل كان مليئاً بضيوف متجددين. لم يكن أيّ واحد منهم كاتباً أو شاعراً أو روائياً. كانوا جميعاً رسامين.

كان دافينشي أكثرهم حضوراً، تدربت معه على تخطيطاته. ورسمت مثله جسد الإنسان بتشريح دقيق مبكر. وما يخفيه الجلد والأعين التي تنظر في الفراغ. وفي انحناء رأس لاسكابيلياتا واللون الشفاف الذي أعطاه للوحة، لم أعرف دافينشي من القراءة، بل من الصورة. والصورة وحدها كانت نافذة الإدراك الكلي للآخرين. فكان جوفاني براغولين، صاحب أشهر صورة للطفل الباكي يجعلني أعيد رسم لوحته مراراً كي أتمرّن على اللون. ولم أستغرب بعد سنوات حين عرفت أن تلك اللوحة نجت دوماً وحدها، من كل حريق شبّ في المكان الذي تواجدت فيه.

سلفادور دالي كان العين التي أرى من خلالها حرية الخطأ. فلا بأس بتحريف الأجسام، وتغيير أبعادها، وتعليق الساعات على الأغصان ودفع الأدراج من خواصر النساء. وكانت تستقر على طاولتي جرة العطر التي أنتج منها في ذلك الوقت، عدد قليل جداً في أنحاء العالم، جرة العطر المصنوعة من لوحة دالي. الأنف والشفتان. دفعت مصروفي الشخصي كلّه وقتها من أجل شرائها. فقط كي أبقى أرى توقيع دالي على زاوية مخفية منها.

كان يعيش معي في غرفتي ببغاء بلون ياقوتي، وسلحفاة وسمك ذهبي صغير ونباتات متسلقة تتعربش على المكتبة التي لم يكن فيها سوى كاتالوغات الفنانين الكبار، التي كنت أجمعها بعناية من كل مكان. وكنت قد عجزت حينها عن تعليم الببغاء النطق، رغم محاولاتي العديدة، حتى أنّي كنت أحضر لها الأفلام الهندية وأضعها بجوارها، كي يسمع لغة أرضه الأم. لكن عبثاً. كانت تصر على الصمت. وهكذا كانت حياتي تسير نحو مسار واضح، لا مكان فيه للغة غير لغة الصورة.

وفي ليلة من تلك الليالي، شارف لون الفجر البرتقالي على الانتشار في السواد. كنت مشغولاً بالحديث مع فنان عربي لطالما سحرني شغله، دون أن أتمكن من التمرّن على رسم أعماله في يوم من الأيام. إنه ابن مقلة. لم أعرف ابن مقلة من الثقافة، لكنّي عرفته من الخط الرديء. فقد كان خطّي في الصف الأول والثاني فوضوياً. حتى أني شعرت بالنقص أمام رفاقي من الأطفال، وبتّ أخجل من كتابة الكلمات في الدروس. لولا أن أحضرت لي أمّي مجموعة من كتب الخط العربي القديم، وطلب منّي أن أقلّد ما فيها.

وهكذا تعرفت إلى هاشم البغدادي، وكتبه التدريبية الثمينة “قواعد الخط العربي”، ومشيت خلفه في الألفات والواوات والياءات. واستغرقت مع عباس شاكر جودي في “ميزان الخط العربي”. حتى صرت أكتب الكلام العادي بخط الثلث. وحتى وصلت إلى ابن مقلة، كنت قد عبرت مدارس كثيرة في الخط. لكن تلك الخطوط كانت بالنسبة إليّ صوراً أيضاً، ولم تكن تقول شيئاً.

شق صمت الليل، صوت صراخ من آخر الشارع، خرجت إلى شرفة غرفتي، لم أستطع رؤية شيء في ضوء الفجر الشحيح. تكرّر الصراخ. لم يكن مخيفاً، كان هو الخائف. كلمات بلغة لم أفهمها. تعود لتتكرر ثم تصمت ثم تتكرر.

كان صاحب الصوت مصراً على إرسال تلك الاستغاثات. لم أشعر أنه جريح أو يتعرض لخطر ما، غير أنه كان يبث برقية تشبه إشارات مورس.

دقائق استغرقتها الشمس، لتنير الحارة الهابطة نحو جهة الغرب الرملية، حيث يقف رجل ببزة برتقالية، قبل أن تخترع أميركا معتقل غوانتانامو في الجزيرة الكوبية، وقبل أن تفرض الزيّ الموحد على سجنائها فيه.

عجوز بلحية كثة وطويلة تنسدل على لونه البرتقالي. يثرثر بتلك اللغة العجيبة، كان بالنسبة إليّ لقطة بصرية أيضاً، ولم يكن يعني شيئاً في عالمي الطفل. بقيت أراقبه، وهو يرفع يديه إلى السماء، ويدمدم ويلتفت إلى اليمين واليسار، كان يبدو حائراً.

لم أمتلك الشجاعة للنزول وسؤاله عن الأمر. قد يكون مدمن مخدرات، أو سكيراً، أو مجرماً. لكنه رآني أسترق النظر إليه.

فتغيرت بنيته الذهنية، وبدّل لغة الرسالة التي كان يقولها، وبدلاً من الكلمات العجيبة الغريبة أخذ ينظر إليّ ويقول “في كلامُ الله… في كلامُ الله.. في كلامُ الله”.

من خلال حركاته عرفت أنه كان يشير إلى حاوية الزبالة، كان يرتعد خوفاً ممّا رآه. كان عامل نظافة أفغانيا، شاهد شيئاً لا يجب أن يكون في تلك الحاوية. وحين ملّ من محاولة تنبيهي، دون أن يكون لديّ أيّ ردّ فعل، غادر المكان مع عربته الصغيرة ومكنسته الطويلة.

انتظرت دقائق لأطمئن إلى ابتعاده، ثم نزلت أدراج البيت إلى الشارع، ثم إلى حيث كان يشير. وهناك عثرت على صندوق خشبي مليء بالكتب المجلدة تجليداً فاخراً، ظن الرجل أنها مصاحف، لذلك خشي أن يعاقب بالحرق في جهنم لأن أحداً ما رماها في القمامة. لكن تلك الكتب لم تكن مصاحف.

حملت الصندوق بصعوبة، كان ثقيلاً جداً، وهرعت إلى غرفتي. كان أول كتاب من تلك الكتب “ألف ليلة وليلة”. بطبعته القديمة القاهرية التي عرفت بعد سنوات أنها طبعة ممنوعة، تم إحراقها في مشهد فظيع شارك فيه الجميع.

كتاب شهرزاد ذاك. كان جزءاً من أجزاء عديدة، وكان عدد صفحاته يتجاوز الألف. كتب أحدهم على أول صفحة منه “قرأت هذه الكتب، وهي غير صالحة للقراءة”. أي أنّه رماها لأنه رأى فيها ما لم يسرّه. كتب تلك العبارة على جميع الكتب الموجودة في الصندوق. كان واضحاً أنه متديّن وأنه لم يعجب بمحتوى تلك الكتب.

كانت تلك الإشارة كافية لي، كي تغريني بالبحث عمّا لم يرضِ صاحب الكتب، وعمّا أثار رعب ذلك الأفغاني عامل النظافة البرتقالي الذي يرى المقدّس من شكله لا من مضمونه.

عرفت من شهرزاد في الكتاب، ما لم أكن أعرفه عن القراءة، وذهبت معها إلى الأماكن التي خرجت منها خطوط هاشم البغدادي، وغرقت في البحر مع السندباد وطرت على بساط الريح. وعرفت الكثير عن الجسد، والكثير عن الحب، والكثير عن الشعر.

والأهم من هذا كلّه، أنّي تعرفت من خلال ذلك الصندوق على لغة أخرى غير لغة الصورة التي ألفتها في اللوحات والخط العربي. لغة الكتابة.

سرعان ما انتقلت إلى الكتاب الثاني من كتب الصندوق، ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس، وهكذا، حتى انتهت الكتب. لا شك أنها كانت أكبر من عمر إدراكي، وبسببها أهملت الرسم وعالم الطيور والأحياء، لكنها ورّطتني في البحث عن السر الذي ما زلت حتى اللحظة لم أعثر عليه.

كاتب من سوريا

ينشر الملف بالإتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر