الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

نهر الدم المصري.. شراكة وشرك 'فاتحين' ومستعمرين

لا أجد كلمة أكثر دلالة من «الاستلاب»، في وصف كتابات لا يكتفي أصحابها بعدم استنكار استعمار بلادهم، وإنما بإعطائه صفة «الفتح»، وترسيخ خطأ تاريخي يكفي للتدليل عليه عنوان كتاب «الفتح العثماني للشام ومصر».

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/09/06، العدد: 10388، ص(9)]

لمولانا يحيى حقي كتاب عنوانه «أنشودة للبساطة» أحبه، الكاتب والكتاب معا. تعلمت منه كيف أتجنب «الكلام الكبير»، وأتفادى تصدير أسماء ترهب القارئ، وتمنح الكاتب بعض الحماية بتعزيز موقفه. ولكني في هذا السياق لا أجد كلمة أكثر دلالة من «الاستلاب»، في وصف كتابات لا يكتفي أصحابها بعدم استنكار استعمار بلادهم، وإنما بإعطائه صفة «الفتح»، وترسيخ خطأ تاريخي يكفي للتدليل عليه عنوان كتاب «الفتح العثماني للشام ومصر».

لا أنوي تخصيص هذه السطور للسياحة في الماضي؛ فذلك الماضي ليس أكثر من ماض مضى، وإنما أتوقف أمام بعض محطات التاريخ وفجواته القابلة للتكرار، وأستفسر عن جاذبية الجغرافيا المصرية لكافة ألوان الاستعمار، وإن اختلفت اللافتة، فلما حكمها أبناؤها لم يجد الشعب اختلافا كبيرا إلا في درجة القهر لا نوعه.

لعل أصدق جملة لخّصت عذابات أكثر من 23 قرنا من الاستعمار، هي ما جاءت في بيان القوات المسلحة المصرية يوم 1 يوليو 2013: «لقد عانى هذا الشعب الكريم، ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه». استعادة هذه الجملة الآن قد تدفع البعض إلى الندم على استجابات عاطفية خلت من التبصر، ولم تتوقع مصائر حضرت فيها الدماء طرفا في المعادلة، بعد أن كان الدم المصري يراق بأيدي أجانب لا يترددون في الاقتتال، وقتل بعضهم بعضا، للفوز بالغنيمة المصرية.

بداية الخلاص من إسار الماضي، أن ننزع عن صنّاعه القداسة. لم يكن الفاعلون أبرياء يبلّغون رسالة ويعودون مشكورين، ولا كان الضحايا خطائين. في وقت مبكر غازلت مصر والعراق أحلام المشتاقين إلى الظلال والأنهار.

كتب عتبة بن غزوان بعد استيلائه على البصرة إلى عمر بن الخطاب أن الله «أغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم». ويروي الدينوري في «الأخبار الطوال» أن المسلمين في المدينة استبشروا «وأكبوا على الرسول، يسألونه عن أمر البصرة؛ فقال إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلا، فرغب الناس في الخروج». كما لم يغب العامل الاقتصادي في الصراع على مصر، فيسجل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» مناظرة جرت في الإسكندرية بين «عظيم» من الرومان وعمرو بن العاص، العارف بأرض النيل، قال فيها: «كنا أضيق الناس أرضا، وشرّه عيشا، نأكل الميتة والدم ويُغير بعضنا على بعض… فلو تعلم ما ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم». لم تعد القضية هنا هي الرسالة، فلا يتصور الرومان والمصريون وعمرو نفسه أن يأتي العرب جميعا مبشرين، وإنما مدفوعين بالرغبة في التنعم بخيرات مصر، وهو المنطق الذي حفز المسلمين في المدينة على الانطلاق نحو البصرة.

ظلت مصر نقطة ضعف ابن العاص، فبعد وفاة عمر حدد عثمان بن عفان، كما يروي ابن كثير، مهام عمرو بالقتال، وهو بالنسبة إلى «الفارس» أعظم شرفا من جباية الضرائب. وأسند إلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح شؤون الخراج، فسخط عمرو: «أأكون كماسك بقرة وغيري يحلبها؟». ثم شهدت مصر جانبا الصراع في عهد الإمام عليّ. ويبدو أن أشرارا استمرأوا إفساد ولاية مصر، ولو بالقتل، كما جرى للأشتر النخعي الذي نصحه الإمام عليّ بالرفق بالمصريين «فإنهم صنفان.. إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق… فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه». ولكن أنصار عمرو ومعاوية دسوا للأشتر السم في العسل، فمات قبل أن يبلغ مصر، وكانا يتندران بالقول: «إن لله جنودا من عسل»، ثم جرى التخلص الوحشي من محمد بن أبي بكر، والي عليّ بمصر، إذ قتله معاوية بن حديج.

بعض تلك الحوادث تصنف بمعايير عصرنا جرائم ضد الإنسانية، ولكن القتلة ليس لهم ورثة تُطلب منهم الحقوق، أما الضحايا فقد توارثوا نزيف الدماء، وكلما انتهى عهد جاء الأكثر منه دموية، وكان المأمون، الذي يحظى حاليا بشارع «الخليفة المأمون» بالقاهرة، أكثر شراسة في قمع ثورة البشموريين في الشمال. يذكر ساويرس بن المقفع في «تاريخ البطاركة» أن عسكر المأمون تعقبوا الثائرين وقبضوا عليهم، «فهلكوهم وقتلوهم بالسيف بغير إهمال ونهبوهم وأخربوا مساكنهم وأحرقوها بالنار… بعد ذلك أمر المأمون أن يطلب من بقي من البشموريين.. أن يسيروا إلى بغداد، فسيروا وأقاموا في الحبوس مدة كبيرة… فمنهم من رجع إلى بلده ومنهم من بقي هناك ببغداد وأنشأوا بساتين».

في تاريخ مصر بقع تجمدت فيها الدماء، مسكوت عنها، فلا يتعب الكثيرون في التفرقة بين فتح وغزو؛ استنادا إلى اللسان العربي للوالي. وحين كان الغازي عثمانيا أربكهم، وخضع التصنيف لجدارة المؤرخ وموقفه الأخلاقي والحضاري. لم يخل الأمر من بعض «الاستلاب» الذي تهربتُ من التعريف به، وتحديد معناه بصرامة كمصطلح، في بداية هذا المقال، ولكن تكرار كلمة «الفتح» عشر مرات في أول صفحتين في كتاب «الفتح العثماني للشام ومصر» لأحمد فؤاد متولي يكفي لتفسير تبعية ذهنية تحكم المصطلح.

قبل عامين من غزو مصر، قاد سليم الأول الذي يحظى بشارع في القاهرة، جيشا لمحاربة الشاه إسماعيل الصفوي (1515 ميلادي)، ولم يساعده «علاء الدولة» حاكم إمارة ذولقادر التركمانية عندما مر بأرضه. يذكر كتاب «الفتح العثماني للشام ومصر» أن سليم أمر بعد عودته من حرب الفرس بالقضاء على علاء الدولة، وأرسل جيشا «وهزمه وقطع رأسه مع رؤوس أربعة من أولاده وثلاثين من أمرائه»، وأعطى ولاية ذولقادر لعلي بن شهسوار الموالي للعثمانيين. جريمة تكفي لنفي صفة «الفتح» عن احتلال سليم لمصر، وارتكابه جريمة حرب، بلغ ضحاياها أكثر من عشرة آلاف، ولم يجدوا من يدفنهم، «فصارت جثثهم مرمية على الطرقات»، كما يروي ابن إياس.

كان نابليون أكثر دهاء من المأمون وسليم، فتحايل ولم يبدأ بإعلان العداوة، ثم كشف عن وجهه الإمبريالي، وانتهك الجيش «المتحضر» حرمات المساجد، واقتحم العسكر الذين يسميهم الجبرتي «أولئك الوعول»، الجامع الأزهر، «وهم راكبون الخيول… وربطوا خيولهم بقبلته»، وعملوا سيوفهم في المشايخ والطلبة، «ووجدوا في بعض الأروقة إنسانا فذبحوه»، ونهبوا الكتب والأمتعة، ومزقوا المخطوطات، وطرحوا المصاحف على الأرض وداسوها بالنعال، وأحدثوا في المسجد «وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا» في إهانة بالغة لموقع له دلالته الرمزية الدينية والوطنية. ولم يبالغ الجبرتي في وصفهم بجيش الشيطان.

وفي كتابه «مظهر التقدس بزوال دولة الفرنسيس» يسجل الجبرتي أن الفرنساوية أمروا سكان القلعة بمغادرة منازلهم، لكي يقيموا فيها وينصبوا مدافعهم، بعد هدم أبنية ومحو آثار، منها قصر صلاح الدين الأيوبي بالقلعة، وأنهم في 26 ديسمبر 1798، شوهوا «المسجد العظيم والجامع المشيد الفخيم» الذي بناه الناصر محمد بن قلاوون عام 1318 ميلادي، «فقلعوا منبره، وشعثوا إيوانه، وأخذوا أخشابه، وزعزعوا أركانه، وأزالوا المقصورة الحديد بديعة الإتقان، التي كان يصلي بداخلها السلطان».

ميراث يفرض على الشعب أن يشرع في بناء دولة دينها القانون، وألا ينتظر مخلصا يحنو عليه.

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر