الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

كآبة إعلامية مزمنة

وسائل إعلام إنتاج الكآبة تتكاثر متأثرة بأكثرها إنتاجا لهذا الوباء بزعم أنها الأكثر انتشارا والأكثر علمية ومهنية بينما ضحاياها يتكاثرون وهم ضائعون مشتتّون بلا انتماء ولا رغبة في الحياة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/06، العدد: 10388، ص(18)]

ما الذي ينتظره المواطن الصالح من بين ركام الأخبار التي تبثها وسائل الإعلام من حوله؟ هنالك من جمهور المتلقين من لا يجد لنفسه مكانا وسط دوّامة الأخبار، أغلبها تتحدث عن مجتمعات وشعوب وشخصيات وأماكن لا تعنيه وهو بعيد جدا عنها، لا شيء منها يمسّه ويلامس تفاصيل حياته.

حتى وهو يشاهد الأخبار المحليّة لبلاده، يتابع أخبارا عن صراعات وتجاذبات بين أحزاب وسياسيين لا يعنيه أمرهم ولا ينتمي إليهم أصلا ولهذا فإن حربهم أو سلمهم فيما بينهم لن يؤثرا على إيقاع حياته اليومية. المشاريع التي يفتتحها مسؤولون لا تخص سكناه ولا تجد حلولا لمعاناته.

سيعود المواطن إلى نشرات أخبار تتهاطل يوميا بالمزيد مما يخص تقرير مصير العالم؛ سباقات تسلح وصراعات واتفاقيات ومناكفات، والمواطن جالس أمام شاشات يستنسخ من بعضها الأخبار نفسها ولكن في صياغات أخرى. وسائل إعلام لا تريه من هذا العالم سوى أخبار الحروب والصراعات والانقلابات والتحريض على العنف. وحتى من أخبار بلاده لن تُظهر تلك الشاشة إلا أقبحها.

فهل نسيت وسائل الإعلام ركنا أساسيا من أركان عملها اسمه رجع الصدى وكيف يتلقى جمهورها كل تلك الرسائل المشحونة بالكراهية والعنف؟

هل اكتفت وسائل الإعلام بالتعليقات الانتقائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ انتقائية تدفع المحرر إلى نشر أخبار المديح والثناء على ما تقدمه هذه الفضائية أو تلك. وماذا عن الجمهور العريض الذي صار يكره تلك الصورة القاتمة والمأساوية التي تقدَّم له على مدار الساعة؟

ألا توجد ابتسامة عابرة ولا فعل إنساني ولا عمل ثقافي أو فني ولا مهرجان ولا عمل خيري ولا عرس ولا حفل عابر؟

هل ماتت الحياة تماما كما توهمنا تلك القناة الإعلامية ولم يبق سوى العنف والقتل والموت وأنهار الدماء والتهجير والنازحين وأزيز الرصاص والمدن المحطّمة؟

قتامة هائلة ولا حدود لها تظهر أبناء البلد الواحد وكأنهم ثلة من المرضى نفسيا والعدوانيين المتصارعين الذين يجهز أحدهم على الآخر لسبب أو من دون سبب مع لوثة شعبوية وشوفينية من الكراهية تحرص الفضائية على ترسيخها.

العالم بهذا الشكل سيتحول إلى بقايا حياة تشبه تلك التي يقدمها فيلم ماد ماكس، عالم ديستوبي مليء بالكراهية المستعرة المبنية على صراعات مديدة ولا نهاية لها. فإلى أين يفرّ المواطن الصالح من عاصفة الكآبة المزمنة التي يريدون حشوها في عقله ونفسه وسلوكه ونظرته للحياة؟

هل سيكون الحل بمقاطعة الشاشات ووسائل الإعلام فيريح ويستريح؟ وهل أن الانقطاع عما يجري هو الحل؟ أم أن الجرعة الإجبارية من الكآبة والإحباط لا بدّ منها ومن لزوم ما يلزم وجزء من طقوس الحياة اليومية؟

لا أحد سيوفّر للمواطن الصالح إجابة لا سيما أن وسائل إعلام إنتاج الكآبة تتكاثر متأثرة بأكثرها إنتاجا لهذا الوباء بزعم أنها الأكثر انتشارا والأكثر علمية ومهنية بينما ضحاياها يتكاثرون وهم ضائعون مشتتّون بلا انتماء ولا رغبة في الحياة.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر