الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

عقارب الساعة

في دمشق باب يقال له “باب الساعات” وهو باب جيرون صنع له ساعته قبل تسعمئة سنة رجل ينادى بابن الساعاتي، الذي اتخذ من صنع الساعات حرفة ومن الأدب والفكر والفلسفة هواية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/09/09، العدد: 10391، ص(24)]

كنت متأكداً أن كل ساعاتي داهية. وأنه لا شك أن شيئاً ما يختبئ خلف تلك الدقة في الصنع والتكتكة، يعكس عقولاً غير عادية، تتمع بالصبر والعناية بالتفاصيل والنفس الطويل، وعدم السماح للنفس بارتكاب الخطأ مهما كان صغيراً.

ولا يكاد يمضي أسبوع، حتى أعثر على ساعاتي خطر، كانت له يد في صنع أذهان البشر. وقد قرأت مرة عن رجل يدعى توماس ساعاتي، هاجر ذات يوم من الموصل، ليعيش في أميركا، وانقطعت أخباره. لكن العالم كلّه يدين له بالفضل، فالساعاتي هذا هو مبتكر “التحليل الهرمي” وهو العملية التي تشكل البنية الأساس في اتخاذ القرارات الواسعة النطاق والمتعددة المعايير، عالم رياضيات فذّ طور نظرية الطابور والسلوك الحسابي عند البشر.

وبعد أن هاجر ذلك الساعاتي بسنوات طويلة، أهداني صديق ساعة يد ثقيلة “الوزن”، ودعّم هديته بالقول: هذه ساعة مهمة، إياك أن تفرّط فيها. طبعت كلماته تلك في ذهني، فأخذت أحرص على حفظ الساعة في مكان أمين، وأتفقدها بين الوقت والآخر، وصرت أتجنب حتى وضعها على معصمي.

لكن الفضول كان استولى عليّ، فأردت أن أعرف لماذا هذه الساعة مهمة؟ ولماذا لا يجب أن أفرّط فيها كما قال صاحبي؟ فجعلت الساعة موضوعي، وصرت أفتّش عن ماركة الشركة التي طبعت على واجهتها، فبحثت في مواقع الإنترنت والتسوق والبضائع الثمينة. لكن المثل يقول “تعب ساعة. ولا كل ساعة”، وحين لم أجد تلك الماركة هناك، قلت لنفسي: لعل هذه الأنواع الثمينة غير متاحة لعامة الناس، وربما هذا ما يجعلها أشبه بالمجوهرات. فلأبحث إذن عن الاسم المطبوع خلف الساعة وليس في مينائها من الأمام.

لكن الاسم الآخر أيضاً لم يكن موجوداً في أي مكان على الشبكة العنكبوتية. فهمست: لعلها من طراز فريد يصنّع خصيصاً لذلك لا يوجد إعلان لها ولا أ ي إشارة. وبقيت ألاحق عقارب الساعة، تدور عقاربها الثلاث وأدور خلفهن. وهكذا مضت السنوات. فلا تجرأت على استعمال الساعة ولا هنأني بها مُهديها. ولأن هناك مثلاً مغربياً يقول “الدنيا درّاعة. كل واحد يلبسها ساعة”، فقد كنت أمنع نفسي من سؤال معارض الساعات، وما أدراني كيف سيجيبني الخبراء؟ فلربما قالوا إنها ساعة عادية زهيدة الثمن. حينها سيخيب ظني. ولذلك بقيت أعيش فكرة الساعة. وفي الوقت ذاته فكرتي عن صاحب الساعة.

وفي دمشق باب يقال له “باب الساعات” وهو باب جيرون صنع له ساعته قبل تسعمئة سنة رجل ينادى بابن الساعاتي، الذي اتخذ من صنع الساعات حرفة ومن الأدب والفكر والفلسفة هواية. من شعره الرائق قوله “ما سرت عن جلّقٍ أبغي البديلَ بها/ لولا طِلابي محلاً للعُلى قَذَفَا/ طولُ المقامُ لأهلِ الفضلِ منقصةٌ/ والمسكُ لولا النوى ما أدركَ الشرفا”. ولأن دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، فلا ضرورة للعجلة. ولا بد أن نعرف شيئاً يوماً ما، عن تلك الساعة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر