الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الجزائر: النظام يسقط المواطنة عن 6 ملايين جزائري

الإجراء الجديد الذي يقضي بمنع أي جزائري يحمل الجنسية المزدوجة من تقلد المسـؤوليات العليا في الـدولة والوظائف السياسية السامية، إجراء يتناقض مع القانون الجزائري الذي يرخص للجزائريين حمل جنسيتين في آن واحد.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/09/15، العدد: 10395، ص(9)]

بعد التصفية المنهجية التي نفذها النظام الحاكم في الجزائر ضد بؤر المعارضة في الداخل بواسطة تشتيت الإسلاميين ثم تحويلهم إلى أحزاب مجهرية متصارعة في ما بينها، وتدجين الأحزاب الأمازيغية التي كانت تمثل في الماضي قلعة الممانعة، وإلحاق كل الجمعيات الثقافية والفنية والاتحادات الكبرى مثل اتحاد العمال واتحاد التجار واتحاد النساء وشتى الروابط المهنية الأخرى بترسانته، فها هو الآن ينقل المعركة إلى الخارج من خلال تغيير القوانين القديمة وسن قوانين جديد على مقاسه لمنع أفراد الجالية الجزائرية المقيمين في المهاجر، خاصة في أوروبا، من التحول إلى معارضة منظمة، ومن الوصول إلى المناصب العليا في الدولة التي يحتكرها فريق الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في كل قطاعات الدولة المدنية والأمنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية.

بدأ النظام الحاكم في الجزائر هذه المعركة بشكل سافر وعملي منذ سنوات وخاصة بعد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية التي فجرت الصراع المسلح بينه وبين حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية وجناحها العسكري، وأدت بكثير من كوادر هذا الحزب إلى اللجوء إلى الدول الأوروبية وإلى دول إسلامية أخرى هروبا من التنكيل والتصفيات الجسدية.

ولقد استشعر النظـام الجزائري الخطر المحدق بعـد شروع بعض الشخصيات المعارضة والرافضة له في تشكيل تجمعات سياسية معارضة في المهاجر (مثل تجمع حزب رشاد ببريطانيا)، وفي تأسيس مواقع التـواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية الإلكترونية، فضلا عـن فضائية المغاربية التي يديرها ببريطانيا نجل عباسي مدني زعيم حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة.

إلى جانب كل هذا فإن ترشح رجل الأعمال الجزائري المقيم في فرنسا رشيد نكاز للانتخابات الرئاسية الأخيرة كمرشح حر، والذي دبرت له مختلف المكائد لإبعـاده عنهـا، قد لعـب دورا في تسـريع خطى السلطات الجـزائرية لتـوجيه الضـربات القاضية للمعارضة الجزائرية المتنـاميـة في الخارج.

لا شـك أن قضيـة إبعـاد نكاز لا تزال حية في أذهان قطاع واسع من الشعب الجزائري وعلى نحو خاص بين صفوف الجيل الشاب، ولكن هذه القضية الفردية لها سوابق ولواحق حيث هناك شخصيـات جزائرية وطنية مهمة مقيمة في المهاجر الأوروبية بشكل خاص يرى فيها الرئيس بوتفليقة وجماعته تهديدا حقيقيـا في أي انتخـابات بـرلمانية أو رئـاسية حقيقية ونـزيهة في الاستحقاقات القادمة.

لكي نفهم حقيقة هـذا التهديد، الذي يشغل أجهزة النظام الحاكم، فإنه ينبغي إدراك بعض الحقائق المتصلة بالجالية الجزائرية المقيمة في المهجر.

من المعروف أن الجالية الجزائرية المقيمة في أوروبا والغرب هي ظاهرة مرتبطة بالعهد الكولونيالي الفرنسي من جهة، وهي أيضا نتيجة لفشل النظام الجزائري في حماية المواطنين الجزائريين من الفقر الذي دفع بالملايين إلى البحث عن لقمة العيش وراء البحار من جهة أخرى.

من المعروف أيضا أن هذه الجالية تعد من بين أضخم الجاليات الأجنبية في الفضاء الأوروبي الغربي حيث يقدر تعداد أفرادها بستة ملايين مهاجر.

وفضلا عن ذلك فإن تدجين أفرادها سياسيا أمر صعب جراء إقامتهم الطويلة في مجتمعات غربية تعودوا فيها على ثقافة الانتخابات الحرة والشفافة، وعلى الظاهرة الديمقراطية المتمثلة في التداول على الحكم بعيدا عن أيديولوجيا الحزب الواحد وعن سلطة الرئيس الدكتاتور الأوحد. أما العامل الثاني في هذه المعادلة فيتمثل في كون الجالية الجزائرية المهاجرة غير مؤطرة سياسيا واجتماعيا وثقافيا، ولا تتلقى أي دعم يذكر من طرف النظام الجزائري، خاصة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين الذي وفَر لها إطارا دبلوماسيا تمثل في “ودادية الجزائريين في أوروبا” التي لم يعد لهـا وجود الآن، وبالعكس فإنها قـد تركت لسنوات طويلة فريسة للاغتراب الثقافي واللغوي، وللإقصاء الاجتماعي المفروض عليها من طرف الفئات المعادية للأجانب وفي المقدمة عنصرية اليمين الأوروبي المتطرف.

في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة تفاقمت أوضاع الجالية الجزائرية في أوروبا، وأصبحت تحارب على جميع المستويات.

فمنذ عدة أشهر قليلة قررت وزارة الداخلية الجزائرية منع المغتـربين الجزائريـين المقيمين في الخارج من استخراج بطاقات أو شهادات الإقامة من البلديات التي ولدوا فيها ويملكون الأرض والمساكن بدعوى محاربة المضاربة في العقارات والمنازل، علما أن هذه الحجة باطلة لأن عمليات مسح الأملاك والأراضي قد أنجزت منذ سنين وأن بطاقات السجل العقاري في البلديات والدوائر والمحافظات عبر الوطن تكشف عن أي محاولة غش في هذا المجال.

بعد هذا الإجراء التعسفي قامت أجهـزة النظام الجزائري بمحاولة سـن قانـون يمنع المهاجرين الجزائريين المقيمين في الخـارج من الدخـول إلى أرض الوطن من دون التأشيرة (الفيزا) شأنهم في ذلك شأن أي أجنبي، غير أن هذا القانون قد جمد فقط ولكنه لا يزال قائما في الأذهان وفي الأدراج ليفعل في الوقت الذي يناسب مصالح الشلة الحاكمة.

أما الإجراء القانوني الأخير الذي اتخذ والذي أثار استنكار الجالية الجزائرية المهاجرة، وسخط بعض الشخصيات السياسية منها الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني الذي دعا إلى إلغاء المادة الـ51 وما تفرع عنها لأنها تحرم حوالي 6 ملايين جزائري من حقوقهم الوطنية.

هذا القانون التعسفي يقضي بمنع أي جزائري يحمل الجنسية المزدوجة من تقلَد المسـؤوليات العليا في الـدولة والوظائف السياسية السامية، باستثناء منصب السفير الذي لم يذكر حرفيا، وهي محددة كالتالي “رئيس مجلس الأمة، رئيس المجلس الشعبي الوطني، الوزير الأول، رئيس المجلس الدستوري، أعضاء الحكومة، الأمين العـام للحكومة، الرئيس الأول للمحكمة العليا، رئيس مجلس الدولة، محافظ بنك الجزائر، مسؤولو أجهزة الأمن، رئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، قائد أركان الجيش الوطني الشعبي، قادة القوات المسلحة، قادة النواحي العسكرية وكل مسؤولية عليا عسكرية محددة عن طريق التنظيم”.

وهكذا فإن هذا الإجراء يتناقض مع القانون الجزائري الذي يرخص للجزائريين حمل جنسيتين في آن واحد، أما من الناحية الأخلاقية فإن تفضيل جزائريين على جزائريين يسقط عنهم حق المواطنة ويشكك في وطنية 6 ملايين منهم ويحشرهم رغم أنوفهم في طابور الخونة في الاحتياط.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر