السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

عزلة النخبة وثقافة العامة

الافتتان بما بعد الحداثة الشعرية الغربية مثلا قاد إلى أزمات متفاقمة في أمّة الشعر حتى صار الشعر في واد وسائر الناس في واد، وكم يا ترى يطبع الشاعر من كتابه؟ ومن يا ترى ينشر للشاعر كتابا؟

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(15)]

تخطيط: ساي سرحان

يبدو أن إشكالية النخبة والعامّة ستبقى ثنائية دائمة تلاحق صناع الثقافة في كل عصر وحين. الثقافة النخبوية هي التي جعلت الخطاب الثقافي حكرا على ثلّة من المعنيين بالقصة، المجلة الثقافية صارت لا تُباع، هياكل ملونة ميتة الروح مكدّسة في رفوف المكتبات والأكشاك، أكداس مما يُعرَف بالمرتجَع الورقي أي النسخ الكاسدة التي لم يشترِها أحد، مشهد يتكرر والمجلة ماضية في جمودها وعُزلتها.

ذلك الافتتان المتواصل بالخطاب الذي ينتجه المثقف وفرحه بنفسه وأدواته جعله أسير تلك الإشكالية المركبة.

خلال ذلك كانت معدّلات القراءة تتراجع وساد جيل وسائل التواصل الاجتماعي الزاهد أصلا بالمثقف وبمجلته العظيمة.

المثقّف من جهته لم يتحسّب جيدا في أي عصر يعيش، لم يواكب ذلك الزحف المضطرد لثقافة الأصفار والآحاد وبقي أسير مدرستي البصرة والكوفة اللغويتين والصراع بين العمودي والمرسَل أو الحر وفذلكات ما بعد الحداثة التي جاءت في الغالب مشوّهة بسبب ترجمات انتقائية ومجتزئة عجزت عن الإحاطة بالظروف والأسباب التي أنتجت ذلك التحوّل الحداثي وما بعد الحداثي الهائل.

المثقف ـ صانع الخطاب ـ نسي أو تناسى أنه كان شابّا يافعا يوما ما أقصى أمنياته أن يرى نصّه منشورا في جريدة أو مجلة، وإذا به وقد امتلك منصّة إنتاج الخطاب الثقافي، يغفل وجود تلك الأصوات الشابة المنسية التي ستظهر صادحة بأصواتها إن عاجلا أو آجلا وسترث ما تركه أولئك “الأساتذة ” من مجلات ماتت فيها روح الشباب وتمرّده.

هذا النسغ الصاعد والنازل ظل سببا من أسباب تجدد الروح في حياة تنتج أدواتها وشخصياتها بشكل دائم، فما بال الثقافة العربية وقد صارت في الغالب لا نسغ صاعد فيها ولا نازل؟ متى كانت ثقافة البحيرة الراكدة هي الحل البديل لمجتمعات تغرق بالأمية؟

واقعيا سوف ينأى المثقف المعتزل بنفسه عن ذاك السِّجال وتلك المسؤوليات الجسام مؤثرا السلامة ماكثا في حدود مدينة المثقفين النخبويين الفاضلة، المدينة الافتراضية التي لا يعرف أبوابها ومداخلها إلا حملة العلامة الفارقة، المؤمنون بذلك الضرب من الثقافة النخبوية التي تعني خواص الخواص.

الافتتان بما بعد الحداثة الشعرية الغربية مثلا قاد إلى أزمات متفاقمة في أمّة الشعر حتى صار الشعر في واد وسائر الناس في واد، وكم يا ترى يطبع الشاعر من كتابه؟ ومن يا ترى ينشر للشاعر كتابا؟

أسئلة لا تجد لها جوابا وافيا في ظل بلبلة لا حدود لها تتعلق بما أشرنا إليه في البداية في ما يتعلق بالنخبوية المأزومة، وهي تمارس عزلتها المقدّسة مصطبغة بصبغة ثقافية حتى يتم تأسيس منطق جديد فحواه أن الثقافة كانت وستبقى هكذا مقيمة هناك وتمارس تلك العزلة غير مكترثة بالقارئ المجهول ولا بالأمي.

في علم الاتصال بقي ما يُعرَف بـ“رَجْع الصدى” ركنا أساسيا من المعادلة الاتصالية، وليست الثقافة بعيدة عن تلك الدائرة، تنخرط في الخطاب وتتوجّه به إلى الجمهور ولكن من دون أن تعنى برجع الصدى من منطلق: قل كلمتك وامش، فمن ينتج الخطاب ومن يستهلكه؟ ولمن تُنتَج منتجات الثقافة ومن يستهلكها؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر