السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

عقدتنا والمقعد

حتى السياسيون وأصحاب القرار يلجأون إلى التلاعب باللوائح القانونية من أجل تفادي الحدود المفروضة على فترات جلوسهم على كراسي السلطة وقد يتنكرون لهذه الحدود جملة وتفصيلا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(21)]

يقول باحثون إن الجلوس لفترات طويلة يزيد من مخاطر الإصابة بمرض السكري وأمراض القلب، وخطره يمكن أن يتجاوز خطر التدخين على صحة الإنسان، لذلك لا عجب أن تصنفه منظمة الصحة العالمية على أنه رابع سبب للوفاة في العالم.

وأغلبنا قد يكون قرأ أو سمع مثل هذه التحذيرات في العديد من المناسبات، ومع ذلك فخيار الوقوف، خاصة في المواصلات العامة مستبعد من أذهان الكثيرين، حتى وإن كانوا قد قضّوا طوال النهار متسمرين على الكراسي سواء في البيت أو في العمل.

المقعد يغوي الناس ويسحرهم، إلى درجة أن الكثيرين يشمّرون على السواعد من أجل الانقضاض، ويتنفسون الصعداء عند الظفر به، وقد يدخلون في مناوشات وخصومات مع من كان الأسبق في الجلوس عليه.

وهناك صنف من الركاب لديه نزعة من النرجسية متأصلة فيه، تجعله لا يترك مجالا لجلوس عاجز أو حامل، ولا لمن لم تقو قدماه على حمله من شدة التعب أو الهرم، حتى وإن كانت رحلاته لا تدوم سوى برهة من الزمن.

وأحيانا قد نجد عذرا لفتاة أو امرأة تتشبّث بمقعدها إلى حين نزولها من وسيلة النقل التي ركبتها، فالمقعد يكاد يكون منقذها الوحيد من حرب التحرش الجنسي الجماعية التي تجتاح وسائل النقل العمومي في البلدان العربية، وتخرج فيها أشكال انتهاك حرمات أجساد النساء عن نطاق السيطرة والتحمّل.

ولكن أغرب ما بدر من شاب يافع عندما طلبت منه بكل لطف التنازل عن مقعده لعجوز مسنة لم تقو على التماسك بسبب شدة القيظ، هو الاستشاطة غضبا، ولعن حظه العاثر الذي يحرمه في كل مرة من الجلوس في مقعده بأريحية، ثم كان خياره الأخير عدم التنازل عن مكانه لأي كان، مهما كانت وضعيته الصحية أو بنيته الجسدية، وعدل أنظاره على النافذة متجاهلا نظرات كانت تستعطفه وأخرى تلعنه.

ومثل هذه الحوادث تتكرر يوميا في وسائل النقل العمومي بعدة بلدان عربية، وتحكي جزءا من حقيقة العلاقة الوطيدة بين الناس والكرسي، التي تحولت إلى حكاية غرام متوارثة بالفطرة بين الأجيال.

أما في البلدان المتقدمة فتنص قوانين التشريعات الخاصة بالمواصلات العمومية على ضرورة فسح المجال لجلوس الأشخاص الذين يعانون من عاهات أو أمراض مزمنة في الأماكن الأمامية، وترك الأولوية لهم في المقاعد الخلفية، ولكن في هذه المجتمعات توجد أيضا أجناس بشرية انغمست في أنماطها وعاداتها، فسيطرت عليها بدلا من أن تسيطر هي عليها، ولهذا تسعى بعض الحكومات من حين لآخر إلى إطلاق حملات توعوية ووضع شارات إرشادية، بهدف تحسين العلاقات بين الركاب والحفاظ على النظام العام.

وقد ابتكرت هيئة المواصلات في لندن مؤخرا حلا لمن لديهم عاهات غير مرئية ومشاكل صحية غير واضحة، ويجدون صعوبة في الحصول على مقاعد في وسائل النقل العمومي، يتمثل في تمكينهم من بطاقة مكتوب عليها “من فضلك امنحني مقعدا”.

ومثل هذه الحلول لا يمكن أن تجدي ولا بأي شكل من الأشكال في بلداننا العربية، لأن من تعود على الجلوس ليس من السهل عليه الوقوف، والظاهرة عامة وليست مقتصرة على مستعملي وسائل النقل العمومي فقط، فحتى السياسيون وأصحاب القرار يلجأون إلى التلاعب باللوائح القانونية من أجل تفادي الحدود المفروضة على فترات جلوسهم على كراسي السلطة وقد يتنكرون لهذه الحدود جملة وتفصيلا.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر