الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

عرس إبليس

تصانيف التفكير الأعوج تذهب إلى ما يتصل بالقناعات، فيجد بعض المؤمنين أنه من الطبيعي أن يصفوا من يؤمن بشدّة بعقيدتهم بالقول 'رجل صالح'، بينما يرون من يؤمن بعقيدة أخرى 'متطرفا متعصّبا'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(24)]

قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر قبل يومين، إن الشعبوية غزت العالم و”أننا لا يجب أن نسمح لها بالسيطرة على دولنا ومجتمعاتنا”، مضيفا وسط تصفيق حاد، إن “الشعبوية لا تحل المشاكل، بل على العكس تأتي بمشاكل”.

وبينما سخر مثقفون وساسة من خطاب يونكر، بدا حديثه عن الشعبوية هاما للغاية، في لحظة يشهد فيها العالم رواجا لتلك الأفكار التي تدغدغ الغرائز، مقابل تراجع تأثير النخبوية التي قادت البشرية منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم.

وكنت قد قرأت، عدة مرات، كتابا صدر قبل سنوات واشتهر بين الناس، دون أن يستخلصوا منه شيئا على ما يبدو، حمل عنوان “التفكير المستقيم والتفكير الأعوج”، لروبرت هـ ثاولس، حلّل فيه مسارين من مسارات التفكير لا ثالث لهما، فإما أن يكون ذهن المرء قائما على منطق مستقيم يوصل إلى نتائج منطقية، وإما أن يكون خط تفكيره متعرّجا يؤدي حتما إلى استنتاجات كارثية.

ومن قاموس التفكير الأعوج استعمال الكلمات ذات المعاني العاطفية الرخوة في الوصف العلمي الذي يتوجب أن يكون دقيقا، لا انفعاليا، فلا يصح أن تقول كانت نتيجة هذا الاختبار الفيزيائي “جميلة”. أو أن الجهاز الفلاني جهاز “بشع”، أو أن المعايير الإنسانية للعدل معايير “لطيفة”، أو أن منع التدخين “إجراء تعسفي”.

وتذهب تصانيف التفكير الأعوج إلى ما يتصل بالقناعات، فيجد بعض المؤمنين أنه من الطبيعي، أن يصفوا من يؤمن بشدّة بعقيدتهم بالقول “رجل صالح”، بينما يرون من يؤمن بعقيدة أخرى “متطرفا متعصّبا”.

أما أهم مسببات حصول الاعوجاج في التفكير، فهي ما سماها ثاولس بـ”عادات التفكير”، لأن التفكير سلوك مثل غيره، وقد تنشأ له عادات خاطئة، كما الجلوس بطريقة غير صحية، أو النوم على وسائد قاسية، ومن تلك العادات “التحيّز” أو “التبسيط المسرف” و”الكسل العقلي” و”القول الجازم” وغير ذلك. إن ما يعيقنا عن أن نفكر بشكل مستقيم، بحسب ثاولس، هو عقولنا ذاتها، التي التصقت بها عادات قديمة، وتأصلت فيها. ولا شك أن النخبوية التي تهيمن على العالم تخشى من صعود الشعبوية، لأنها تدرك ما فعلته بعقول الشعب، وما التفكير الأعوج الذي تعبّر عنه الشعبوية إلاّ نتاج عمل طويل “غير مستقيم” مارسته النخبوية على العقول.

ومن الشعبوية نرحل إلى الشعبي، وهو عالم مهيب، كان يقول “لقد أصبحت الأمة على أربع فرق، محبٌ لعليّ مبغضٌ لعثمان، ومحبٌ لعثمان مبغضٌ لعلي، ومحبٌ لهما، ومبغضٌ لهما، أما أنا فبمغضٌ لمبغضيهما”.

لذلك كان الشعبي لا يحتمل حماقة المتفذلكين، فكانوا يسألونه عن الفتوى، فيجيبهم بما يصدم عقولهم، كما حين سأله أحدهم “يا شيخنا هل تمرض الروح؟”، قال “نعم من ظلّ الثقلاء”، أو حين مر به حمّال، وسأله “أنت الشعبي؟”، قال “نعم”، فقال “ورد في القرآن أن لإبليس ذرّية، فهل له زوجة؟”، فقال الشعبي “والله لم أحضر ذلك العرس”. لكننا في هذا الزمان، نحضر ذلك العرس ونطبّل فيه ونزمّر.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر