الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

لعنة الدم تطارد المنتصرين: رواية 'القداس' لنيفيل شوت

الكاتب الإنكليزي يرى أنالغوص في الحرب كمأساة أبعد من صخب آلات القتل، هنا تكون الكتابة 'في' الحرب، 'في' مصائر قتلة وقتلى وجرحى سلبتهم الحرب أحد أطرافهم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/09/18، العدد: 10398، ص(14)]

نيفيل شوت: روايته هذه تعتبر من كلاسيكيات أدب الحرب

لا تنتهي الحرب بتوقف المدافع وخلع ثياب المعركة وانخراط المقاتلين في الحياة المدنية؛ فخلف أقنعة الوجوه وفي الطوايا تبدأ حروب أخرى أكثر ضراوة لا سلطان لأحد على أصحابها، والبعض منهم طلاب دم صامتون، يطاردون الجناة في الأحلام، ويضغطون على المساحات الآدمية في ضمائرهم، للتكفير عن خطأ ولو غير مقصود، ويوجهون الخاطئين إلى أقصى الأرض، ويدفعونهم إلى التطهر عبر الحب، أو الموت الطوعي، انتحارا كما فعلت «جانيت برنتيس» بطلة رواية «القداس» للكاتب الإنكليزي نيفيل شوت.

تجربة الحرب عابرة في تاريخ الشعوب، وساحاتها في الغالب بعيدة، هناك على الحدود، وتحفل بتفاصيل لا يدركها إلا المشاركون فيها. وتأتي روايات «عن» الحرب أفقية وصفية مسحطة، غير لائقة بعمق الجرح الإنساني، إلا إذا كان الكاتب نفسه محاربا، أو أتيحت له قنوات معرفية وبشرية تفضي إلى الغوص في الحرب كمأساة أبعد من صخب آلات القتل، هنا تكون الكتابة «في» الحرب، «في» مصائر قتلة وقتلى وجرحى سلبتهم الحرب أحد أطرافهم. هذا ما أجاده نيفيل شوت في رواية «القداس» إحدى تراجيديات الحرب العالمية الثانية.

صدرت رواية «القداس» في طبعتها الأولى عام 1955، وترجمها إلى العربية المترجم المصري شرقاوي حافظ، وأصدرتها سلسلة «روايات الهلال»، وهي أول عمل بالعربية لمؤلفها المهندس نيفيل آرثر هاملتون نورواي (1899 ـ 1960) الذي كان يوقع رواياته (23 عملا) باسم «نيفيل شوت»، بسبب عمله في مجال هندسة الطيران الحربي.

بعد أكثر من 60 عاما على صدورها تثبت رواية (القداس) أنها جدارية عن صراع الحب والموت، عن حرب لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تترك ندوبا في النفوس، وجراحا لا يشفيها إلا الانتحار

تبدأ أحداث الرواية عام 1953 في مطار إسيندون برجوع «آلان» إلى قريته في أستراليا، وتنتهي باستعداده السريع للعودة إلى بريطانيا، بدلا ممّا كان مقرّرا أن يبقى لإدارة ضيعة الأسرة بعد زواج أخته «هيلين» واستقرارها في لندن، وموت أخيه الصغير «بيل» غرقا في نورماندي عام 1944. يمثل رجوع «آلان» المطمئن وقرار المغادرة المفاجئ قوسين يحكمان ماضيه ويقرران مستقبله، بعد اطّلاعه على مأساة شهد بعضا من فصولها، وهي تخص أخاه «بيل»، والخيط الواصل بينهما «جانيت برنتيس» التي اختارت المجيء للعمل خادمة لدى أبويه في أستراليا، هجرت موطنها بريطانيا، وتخلّت عن اسمها، وأصبحت «جيسي بروكتر». وعشية وصول «آلان» إلى أستراليا يفاجأون بانتحارها.

يحار «آلان» الذي درس القانون ببريطانيا في بواعث انتحار خادمة لا يعرف عنها أبواه ولا العاملون في المزرعة شيئا، ويتساءل عن كيفية تخطيطها للانتحار بهذه الدقة؟ ويعجب لحرصها على ألاّ تترك أيّ دليل يشير إلى هويتها، كجواز السفر، أو خطاب تسجل فيه سبب انتحارها. ويقوده البحث إلى العثور على حقيبة صغيرة مغلقة، عليها حرفان بارزان «ج ب»، فيظنهما أول حرفين من اسم «جيسي بروكتر». يتردد في فتح الحقيبة؛ «فمثل هذا الفعل يتنافى تماما مع رغبة الفتاة الميتة، ويجب أن نحترم رغبات الموتى»، ولكنه يفتحها فيطلع على المأساة. تفاجئه صورة لأخيه بالزيّ الحربي في المعسكر، بجوار فتاة في زيّ البحرية، يعرفها جيدا، هي صاحبة الوجه العريض والحواجب الكثيفة، «وكانت ذراعاه تلتفان حول كتفيها، وكانا يضحكان معا». ليست «جيسي بروكتر»، وإنما «جانيت برنتيس» فتاة البحرية القيادية التي قابلها آلان مع بيل عام 1944، قبل غزو نورماندي.

شارك «آلان» في الحرب العالمية الثانية، ولكن الفوز ببقية حياته كلفه قدميه، ففي إحدى الغارات عام 1945 قصفت طائرته وأسقطت، وفقد قدميه. ثم ذهب إلى إنكلترا للدراسة، وشعر نحوها بفتور، واشتاق إلى شمس بلاده، ورجع لكي يقرأ في يوميات «جانيت برنتيس» كيف كان قصف طائرة أخرى حكما على جانيت بالإعدام الرمزي، إذ عاشت نزيفا نفسيا، توالى فيه التكفير عن القتل الخطأ بموت أسرتها وأحبّتها. كانت «جانيت برنتيس» قد أطلقت النار على مقاتلة، ظنتها معادية، وأدى قصفها إلى موت كل من فيها، وتعرضت لتأنيب ضمير قاس، ونوبات اكتئاب، ولوم من القائد الذي أخبرها بأن الطائرة بإنزالها العجلات كانت تعلن الاستسلام.

التطهر عبر الحب

كان حادث الطائرة ذنبا يتناسل، أثقل من أن يحتمله ضمير جانيت، ولا تعرف كيف ينتهي مسلسل التكفير عنه. ساءت حالتها النفسية لاعتقادها بأنها مسؤولة عن أرواح الذين قتلتهم بطريق الخطأ، وتابعت الفواجع الشخصية بموت أحبتها.. غرق «بيل» بعد أن تعاهدا على الزواج، ولقي أبوها الدكتور برنتيس مصرعه وهو متطوع في الحرب. وتركت جانيت الخدمة في البحرية ـ التي التحقت بها عام 1941ـ ثم ماتت أمها بعد انتهاء الحرب، فعاشت مع عمتها إيلين حتى ماتت عام 1952، وأصابتها نوبات بكاء وهستيريا وميول للانتحار، وتأكد لها أن الله يعاقبها على الخطأ القديم، ونصحها الطبيب النفسي بالبحث عن والدي «بيل» ففي رعايتهما شفاء.

رجحت جانيت أن يكون الخروج من أزمتها بمزيد من الحروب، كانت تتمنى فشل محادثات السلام في الأزمة الكورية، «وحينئذ تندلع الحرب وأعود للبحرية… إنني بحرية احتياط ويجب أن أعود». وكان عليها أن تغادر إلى سياتل لتكون بجوار عمتها إيلين، وعلقت آمالها على فشل المفاوضات الكورية، «لو فشلت المفاوضات بشأن نزع السلاح في الحرب الكورية، ستندلع حرب أكبر قد تشمل أميركا والصين وروسيا واليابان وإنكلترا وغيرها من الدول، وبالتالي سيكونون في أمسّ الحاجة للبحريات اللاتي تركن الخدمة. من المؤسف أن أترك مكانا مثل هذا». واندلعت الحرب الأهلية الكورية عام 1950، وتمنت جانيت لو أنها في بريطانيا لكي تنخرط في البحرية، وأرسلت طلبا من الولايات المتحدة إلى بريطانيا تلتمس الالتحاق بالبحرية، وبعد شهر ردوا عليها بالرفض، فكانت أستراليا قبلة لنهايتها.

يقدم نيفيل شوت عملا ينضم إلى كلاسيكيات رواية الحرب كتجربة إنسانية جارحة، مثل «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» للألماني أريك ماريا ريمارك. وبعد أكثر من 60 عاما على صدورها تثبت رواية «القداس» أنها جدارية عن صراع الحب والموت، عن حرب لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تترك ندوبا في النفوس، وجراحا لا يشفيها إلا الانتحار.

روائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر