الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

المدينة والثقافة

إن استعادة روح الثقافة عملية مستحيلة دون استعادة روح المدينة وذهنيتها المغدورة، بل لا يمكن استعادة الحكم المدني دون استعادة المدينة وذهنيتها، وهذا شأن سياسي يحتاج إلى وقفة خاصة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/09/20، العدد: 10400، ص(14)]

سأترك جانبا تلك التعاريف المتنوعة عن المدينة والتي تتحدث عن عمرانها وأسواقها وحرفها وطرقها وحاراتها ومهنها وأزياء أهلها وعاداتهم وطقوس أفراحهم وأتراحهم، وسأحصر همي بالحديث عن المدينة بوصفها رحم الثقافة المبدعة والمتجددة، رغم وجود ترابط شديد بين الثقافة الموضوعية للمدينة والثقافة الإبداعية.

أجل المدينة في أدق تعريف لها هي رحم الثقافة المتجددة، سواء كانت الثقافة مادية أو روحية، وآية ذلك أنها المكان الذي ينفصل فيه العمل الفكري عن غيره من الحرف، في المدينة نشأ النبي والكاهن والسياسي والحاكم والفيلسوف والشاعر والمعماري والنطاس والمعلم، من المدينة نشأت الحضارة بكل جوانبها، وشعت على ما حولها من حواضر.

ولهذا يمكن القول دون شعور بالإثم إن ثقافة المدينة تختلف عن ثقافة القرية، والذهنية المدينية تختلف عن الذهنية القروية. وهو اختلاف راجع إلى تقسيم العمل، حيث المدينة عالم الحرفة والمهنة والسلطة والتجارة والشعور بحظ أوفر من الفردية، إنها المركز، فيما القرية هي عالم الزراعة والعلاقات الجماعية العضوية، والرابطة العشائرية.

صحيح أن الميل الآن يقود إلى إزالة الفروق بين المدينة والقرية من حيث انتقال منجزات المدينة إلى القرية، ولكن تكون الذهنيات أمرا يحتاج إلى زمن طويل.

وإذا كان الحس الرومانسي المديني الذي مل من ضجيج المدينة ودخانها يحاول اليوم العودة إلى الطبيعة عبر السكن في الريف فإنها تظل عودة مدينية دون نمط الحياة الريفية وأشكال العمل المرتبطة بالأرض.

أعود إلى المدينة بوصفها رحما للثقافة، وحسبي أن أضرب مثلا بعض المدن العربية كدمشق وبيروت وحلب والقاهرة، دون الانتقاص من المدن الأخرى.

من باستطاعته أن ينكر دور حلب ودمشق والقاهرة في صياغة عصر النهضة العربية وأعلامها الكبار كفرنسيس مراش، رزق الله حسون، لويس صابوني، حقي العظم، عبدالرحمن الشهبندر، محمد عبده، فرح أنطون آخرين كثر.

فضلا عن أن جميع الأيديولوجيات العربية الكبرى ولدت في دمشق والقاهرة من الأيديولوجيا القومية التي نشرتها دمشق إلى الأيديولوجيا الإسلامية التي عممتها القاهرة، وانتهاء بالأيديولوجيا الشيوعية التي ساهمت كل من دمشق والقاهرة في تعميمها. من ذَا الذي يستطيع أن ينفي دور حلب والقاهرة في صياغة الذوق الموسيقي ونشره. وقس على ذلك الحركة الشعرية العربية الحديثة التي انطلقت من دمشق والقاهرة.

المدينة هي مصنع النخب كلها، بل إن أي نخبة مهما كانت أصولها لا يمكن أن تقوم بدورها دون أن تغدو مدينية، وتكون ذهنيتها بوصفها ذهنية مدنية. والنخب التي تصنعها الجامعة، التي هي جوهر المدينة، إنما تعبر عن درجة الثقافة المبدعة التي تعيشها الجامعة بوصفها ظاهرة مدنية.

إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن أكبر جريمة ترتكبها فئة حاكمة هي تدمير روح المدينة لأنها تدمر رحم الثقافة. ولعمري إن استعادة روح الثقافة عملية مستحيلة دون استعادة روح المدينة وذهنيتها المغدورة، بل لا يمكن استعادة الحكم المدني دون استعادة المدينة وذهنيتها، وهذا شأن سياسي يحتاج إلى وقفة خاصة.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر