الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

صحافة بلا آباء مؤسسين

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/20، العدد: 10400، ص(18)]

محيّر هو الشكل الصحافي الذي ينتشر اليوم في شكل ما يُعرف بالصحافة الإلكترونية، أعمدة ومقالات القصّ واللصق هي من ثمار هذه التكنولوجيا العظيمة.

لا أظن أن أحدا من جيلنا وجيل من قبلنا نسي إشكاليات العمل الصحافي ومعضلات المونتاج والتنضيد وصفّ الحروف بمعدن الرصاص.

روائح هي خليط من المواد الكيمياوية والأصباغ في ذلك القبو الذي تشغله المطبعة.

ضجيج المكان يصمّ الآذان ومع ذلك هنالك العاملون ببدلاتهم الزرقاء مشغولون بصف الحروف ومن حولهم من يتم تداول الأفلام الخاصة وقطع “البليت” بكل صفحة والماكنة تدور.

كان حصن الصحافة حصينا ومجرد القصّ واللصق كان مجرّد خرافة.

الكتابة الإجبارية بواسطة اليد لم يكن ثمّة بديل عنها يومها كانت قلاع الصحافة عامرة بـ”أسطة” المهنة الذين لا ينازعهم منازع، كل قسم صحافي وصفحة له “أسطة” متمرس، كانوا شبه آباء مؤسسين، يستندون على خبرة طويلة حتى شاب الرأس وهم في مهنة المتاعب.

كان لكل صحيفة آباؤها المؤسسون الذين خرّجوا أجيالا من الصحافيين.

المشكلة لم تكن في كثرة الصحف بل في قدرتها على الاستمرار.

هذا التحدي هو الذي ظلّ يقض مضاجع العمل الصحافي ولهذا يمكنك السؤال عن مصير العشرات من الصحف التي تألقت حينا ثم انتهى عمرها الافتراضي ولم تجد لنفسها متّسعا في أن يكون لها آباء مؤسسون.

ذلك هو مأزق الصحافة في امتلاكها إكسير الحياة الصحافية أو عدم امتلاكها له، أن يكون لها آباء مؤسسون أو لا يكون.

هم ليسوا أولئك الذين اخترعوا المهنة ولكنهم الذين رسّخوا تقاليدها.

المطاولة والصبر على مكابداتها كانا هما العلامة الفارقة، القدرة على التجدد والتجديد، الاختلاف القائم على القراءة المعمقة للمشهد الصحافي، كل ذلك كان من المؤشرات الأكثر أهمية في قراءة الواقع الصحافي.

جيل كامل صار مجبرا على قبول صحافة القص واللصق وتجاوز حقوق الملكية، سرقة جهود الآخرين من الممكن أن تقع في أي وقت جهارا نهارا.

لا أحد من هؤلاء القوم يعترف بأخطائه هذا إن عدّها أخطاء أصلا، وإنما ما ينشره الصحافيون هو ليس إلا حقا مكتسبا بإمكان أي أحد تدويره وإعادة نشره إلكترونيا، إلى درجة حذف اسم كاتب القصة الصحافية والمنبر الصحافي الأصلي صاحب حقوق النشر.

آباء مؤسسون ملتزمون بأصل وروح العمل الصحافي في نقائه المهني مازالوا يتناثرون في بضع مؤسسات صحافية عربية، سواء في داخل العالم العربي أو خارجه في مقابل طوفان لا حدود له من الطارئين على المهنة.

غاب الآباء المؤسسون الذين بوجودهم تشعر بالاطمئنان على سلامة المهنية وحقوق الملكية والأصالة والتميز والاختلاف، في مقابل أولئك المقنّعين مجهولي الأسماء المختبئين خلف شاشات الكومبيوتر يمارسون قرصنة وبلطجة القص واللصق والتدوير وإعادة النشر بلا أي مجهود يذكر ولا حسيب ولا رقيب، فالساحة مفتوحة للقرصنة وسرقة الجهود والآباء المؤسسون مغيّبون ومنسيّون في الكثير من الساحات والمنابر، فيما هم أصلا جوهر تلك المهمة الصحافية التي تجري فصولها وسط العواصف والأهوال والتحوّلات الجسام.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر