السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

الأطفال في حاجة إلى تعلم الخوف ليعرفوا معنى الأمان

  • عندما يقرأ الآباء القصص الخيالية لأطفالهم الصغار، أو يتيحون لهم الفرصة لمطالعتها بأنفسهم، فإنهم يعلمونهم أكبر درس في كيفية السيطرة والتحكم في المواقف الصعبة التي يمرون بها في الحياة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/09/22، العدد: 10402، ص(21)]

الخوف في الصغر يعلم الحذر عند الكبر

يتجنب أغلب الآباء قراءة القصص المخيفة لصغارهم، خوفا من تأثيرها على سلوكياتهم ونفسياتهم، إلا أن خبراء في علم النفس يعتقدون أنهم ليسوا على صواب في ذلك، فتلك القصص يمكن أن تكسب أبناءهم مرونة في التعامل مع الأحداث الصعبة التي سيتعرضون لها في حياتهم.

وأشاروا إلى أن الطفل يحتاج في مراحل عمره الأولى إلى بعض التجارب التي يتعلّم من خلالها كيف يسيطر على مخاوفه، وينأى بنفسه عن الأخطار عند الضرورة. ولذلك يجب القراءة للطفل بمجرد بلوغه الثالثة من العمر، لأن الطفولة المبكِّرة هي فترة نمو الدماغ وتكّون السلوك، وبالتالي لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل، واستثمار الوقت والجهد في تطوير وتحسين المهارات المتعلقة بكيفية الدفاع عن النفس، وهذه أفضل حماية يمكن أن يقدمها الآباء للأبناء.

ويمكن للقصص التي يقرؤها الآباء أن تمثل حلقة الوصل بين الطفل والتهديدات الخارجية التي يبدأ في التعرف عليها من دون أن يدرك خطورتها، ومن خلالها تتطور “بيولوجية الدفاع” لديه، ويبدأ تدريجيا في فهم معنى الأمان والحذر وتوقي الخطر. وأظهرت دراسة حول التعليم والثقافة والتفاعل الاجتماعي داخل المجتمع الإماراتي أجرتها الأستاذة المساعدة بجامعة زايد للتعليم ليديا برزة، أن الآباء يُفضلون لأطفالهم الكتب التي تتحدث عن الحيوانات والنباتات والفضاء وعلوم الأرض، وأيضا الكتب الدينية والثقافية بدلا من الكتب الخيالية.

وبينت دراسة أخرى أجراها الموقع البريطاني “ذا بوك بيبل” المتخصص في بيع الكتب، أن 33 بالمئة من الآباء الإنكليز بدورهم يتجنبون قراءة الروايات التي تحوي شخصيات مخيفة لأطفالهم. ولكن الباحثة في علم النفس إيما كيني تعارض فكرة منع الأطفال من قراءة القصص الخيالية المخيفة، وترى أن الخوف رد فعل طبيعي، فعندما يقرأ الآباء لأطفالهم الصغار أو يتيحون لهم الفرصة لقراءة القصص الخيالية المخيفة بأنفسهم، فإنهم يعلمونهم أكبر درس في كيفية السيطرة والتحكم في المواقف التي يمرون بها في حياتهم. وقالت “الأطفال بإمكانهم وضع الكتاب جانبا أو الطلب من آبائهم التوقف عن القراءة، ويمكن للقصة أن تثير نقاشا يستطيعون أن يعبروا فيه عما يشعرون به حول ذلك الموقف”.

إيما كيني: الخوف من الشخصية الشريرة في الرواية يساعد على تشكيل مرونة الطفل

وأوضحت أن الخوف من الشخصية الشريرة في الرواية يساعد على تشكيل المرونة والتكيف لدى الطفل، مشيرة إلى أن العالم يمكن أن يكون مكانا مخيفا، وأن الأطفال سيمرون بمواقف يوبخهم فيها المدرسون أو يتخاصمون مع أصدقائهم، ولذا فإن “معرفة كيفية مواجهة الخوف أمر جيد”. ويقدم علماء النفس المعاصرون رؤية مغايرة عن قصص الخيال والأساطير، تقوّض الاعتقاد السابق بأن لها تأثيرا سلبيا على قدرة الطفل على التحكم العقلاني والتفكير المنطقي، منوهين بدورها في تشكيل وعيه من خلال ما تقدمه له من عبر ودروس تتيح له فهم طبيعة الحياة، إضافة إلى أنها تساهم في نمو إدراكه الحسي والعاطفي وتجعله يميز بين المشاعر السلبية والإيجابية.

وشددوا على أنها تمثل لبنة أساسية في التطوير الحسي والأخلاقي للطفل؛ إضافة إلى مساهمتها في تطوير قدراته اللغوية، وتوسيع آفاقه الفكرية والخيالية. ولكن على الآباء الحذر من التخويف المتعمد لأطفالهم، لأنه قد يسبب لهم مخاوف مزمنة وطويلة الأمد، وهذه واحدة من المشاكل النفسية التي يصعب التخلص منها حتى مع بلوغ الشخص مراحل متقدمة من العمر. وتقول بعض الأبحاث إن شخصية الإنسان تتكون في مراحل عمره الأولى وليس من السهل تغييرها أو تعديلها عند الكبر، وهنا تكمن أيضا أهمية عدم الإفراط في حماية الطفل، لأن الخوف عليه من كل صغيرة وكبيرة يفوّت عليه الفرصة كي يعيش طفولته بشكل طبيعي، ويحرمه من التعرف على العالم من حوله.

ويرى تيم جيل الخبير البريطاني في تربية الأطفال، في كتابه الذي يحمل عنوان “لا خوف: نشأة الطفل في مجتمع يعارض تعرض الطفولة للمخاطر”، أن عدم السماح للطفل بأخذ زمام المبادرة والمغامرة من شأنه إعاقته عن اكتسابه مهارات مهمة يحتاج إليها في حماية نفسه. ويعتقد جيل أن الاتجاه المتنامي لدى بعض الآباء بعدم إفساح المجال للطفل كي يتعرض للبعض من الأخطار ويخوض غمار بعض المغامرات والتدخل في كل جزئية من جزئيات حياته الخاصة، من شأنه أن يحرمه من الاستمتاع بطفولته.

وأشار إلى أن بعض الأنشطة التي استمتعت بها الأجيال السابقة، من قبيل ذهاب الطفل إلى المدرسة بمفرده، أصبح يُنظر إليها الآن على أنها قد تجلب المتاعب أو الأخطار. ورجح المؤلف أن تعرض الأطفال إلى بعض المخاطر يعلمهم كيفية حل المشكلات العويصة التي تعترضهم، ويتيح لهم الفرصة لاكتساب مهارات التكيف مع مختلف الأوضاع التي تواجههم في الحياة، وينمي لديهم حس المغامرة وروح المبادرة والإقدام والمرونة والاعتماد على النفس.

وقال “رغم القناعة الشائعة اليوم بأن الطفل صار ينمو بسرعة، فإن التدخل في حياته أصبح أقوى مما كان عليه قبل ثلاثين سنة”. وأضاف “في ظل انحسار مجال الطفولة اليوم، فإن اتجاهنا الراسخ نحو النظر إلى الطفل على أنه هش يعني أننا لا نشجع الأطفال على تطوير المقدرة على اكتساب المرونة الطبيعية أي تعلم كيفية التعامل مع المواقف الخطيرة التي تعترضهم بالنظر إلى سنهم”.

ودعا إلى تحرير الطفولة من كل الضوابط والقيود بشكل غير مشروط، مشيرا إلى أن الأطفال يرغبون في أن يساعدهم الكبار في الحفاظ على سلامتهم وبطبيعة الحال يجب أن يضطلع الأهل بهذه المسؤولية، ولكن لا يجب أن يسيطر على المشهد الاتجاه نحو منع الأطفال من التعرض لأي خطر، والأفضل من ذلك هو التطلع نحو إيجاد بيئة مجتمعية ودودة مع الطفل توفر له العناية اللازمة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر