الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الجماهير ولزوم ما لا يلزم

الحاجة إلى الأفراد والجماهير الغفيرة غذّى الإيمان بحقوق الفرد وقيمته وجعل من الليبرالية ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان الفكر السائد ودون منازع.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/09/22، العدد: 10402، ص(24)]

في الماضي كان إنجاز الكثير من المهام يعتمد اعتمادا كبيرا على وجود الأفراد، كان تعداد الأفراد أو حجم الجماهير عامل الحسم الأهم في كل القرون السابقة، ففي الحروب وفي الأسواق وفي المصانع، زيادة أعداد إضافية من الأفراد كانت تؤدي إلى التفوق العسكري أو الازدهار الاقتصادي أو زيادة الإنتاج. فالبندقية لا تعمل من دون وجود الجندي ليضغط على الزناد، والآلات لا تعمل من دون وجود عامل يشغلها.

كثيرا ما نعتقد أن الأفكار والمعتقدات الكبرى التي تنتشر وتشتهر وتحرك الحياة البشرية وتطورها هي كذلك لأنها عظيمة أو لقوة منطقها وفلسفتها، غالبا ما نتناسى العوامل العملية التي ساعدت أو حتى خلقت تلك المبادئ وتلك المُثل العظيمة، فمثلا الليبرالية ومبادئ حقوق الإنسان العالمية المسيطرة حاليا على وعي الناس وتحرك آمالهم وتشخص آلامهم ما كانت لتكون لولا الحروب العالمية الشاملة الطاحنة، تلك الأزمات خلقت الحاجة لكل فرد في المجتمع وجعلت منه ومنها ثروة يجب الحفاظ عليها.

صحيح أن الكثير من الفلاسفة والمفكرين تكلموا عن مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وشرحوا أهميتهما، لكن أغلب الحكومات والسياسيين في القرون الماضية لم يعيروهما الكثير من الانتباه وركزوا، في ذلك الوقت، جل اهتماماتهم على مشاكل وحلول اعتقدوا أنها أكثر إلحاحا وضرورة. كل بلد عمل على بناء نظام صحي وتعليمي وصناعي ضخم لا إيمانا بحقوق الإنسان وفضيلة السعادة للأفراد والمجتمعات بل لكي يحافظ على بقاء الأفراد وتفوقهم النوعي، فاليابان كمثال للدولة الصناعية المتقدمة، بنت أنظمة تعليمية وبرامج صحية للحفاظ على قوتها وتقدمها كدولة عن طريق الحفاظ على حياة كل فرد ونوعيتها وإنتاجيته.

الحاجة إلى الأفراد والجماهير الغفيرة غذّى الإيمان بحقوق الفرد وقيمته وجعل من الليبرالية ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان الفكر السائد ودون منازع. نحن الآن على عتبة مرحلة جديدة، تقنيات العصر وخصوصا الذكاء الصناعي والخوارزميات ذاتية التعلم ستحل محل الأفراد، ستجعل من أعداد هائلة من البشر دون أيّ جدوى اقتصادية أو عسكريه، حروب المستقبل ستشن وتدار من قبل طائرات ودبابات وغواصات تحسب ذاتيا وتقرر دون تدخل بشري.

مصانع المستقبل، مثل سيارات المستقبل، ستعمل من دون عمال أو سائقين، فما مصير حقوق الإنسان ومبادئ الإنسانية؟ الواقع العملي سيعمل، كما عمل دائما، على بلورة وتشكيل المعتقدات والأفكار التي تحكم الحياة البشرية وتنظمها، سينتج مخاطر وتحديات وفرصا جديدة تحتاج إلى إجابات وحلول حديثة، هل ستصمد مبادئ حقوق الإنسان والليبرالية التي حصل عليها الأفراد بالعَرق والدم والتضحيات في القرن العشرين أمام حقائق وواقع تفرضهما تقنيات الواحد والعشرين؟

كل المعتقدات التي لا تستطيع مواكبة العصر وفهم تقنياته ستصبح بمثابة المرساة لقارب في عرض البحر أثناء عاصفة هوجاء، قد يشعر من في القارب أن المرساة تمنحه السكينة وسط الأمواج العاتية، ولكنه في الواقع أحوج ما يكون إلى الحركة، لمجدافين وخارطة بدلا من مرساة ثقيلة تثبته في مكانه.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر