الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

رومل الصحافة

حين يرى الرجال النساء يشتكين من أزواجهن لنساء آخريات، يعتقد هؤلاء أن المرأة شكاءة لا يرضيها شيء. لكن غالبا ما تكون المرأة أذكى من خيال الرجل.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/09/23، العدد: 10403، ص(24)]

يخطئ الرجال حين يحكمون على النساء. فالعالمان مختلفان إلى أبعد حد. وسلالم التفكير تكاد تجعل من العقلين نوعين مختلفين، مع أن هذا هو الواقع بحرفتيه.

وحين يرى الرجال النساء يشتكين من أزواجهن لنساء آخريات، يعتقد هؤلاء أن المرأة شكاءة لا يرضيها شيء. لكن غالبا ما تكون المرأة أذكى من خيال الرجل. فهي بانتقادها ذاك، إنما تدفع عن نفسها الطاقة السلبية التي ينتجها المديح وما يولّده من حسد.

الأمر مقلوب تماما عند الرجل. فهو لا يفهم لماذا كلما استعمل المديح حصلت مشاكل ومشاكل. وبعض المداحين مصيبة بحد ذاته. فهو لا يجلب لك الحسد فقط، بل يغرقك في كراهية الآخرين.

وقد رمانا الدهر بصديق صحافي عجوز طيب القلب، كان قبل أن يفارق الحياة مبدعا في امتداح الآخرين، دون أن يكون منافقا أو منتفعا من مدحهم، فهو برأيه تطوّع وعمل خيري. وكان بشعره الأبيض وصلعته الوردية يطاطئ رأسه وهو يقدمّ زميلاً له صحافيا على سبيل المثال إلى الناس يقول “صديقي فلان، صحافي ممتاز، بل هو رومل الصحافة” مشبّها إياه بإرفين رومل القائد العسكري الألماني المعروف بثعلب الصحراء، أو حين يتحدث عن سيدة “صديقتي فلانة، أعرّفكم بها. إنها أجمل امرأة في العالم. ماري أنطوانيت العالم العربي”، أو حين يريد أن يعبّر عن تبنيه لشاب من الجيل الجديد “أقدّم لكم هذا الشاب الذي تتمنى كل امرأة أن يكون حبيبا لها، فهو يوسف هذا الزمان”. فتبدأ كيمياء الطاقات السلبية بالتفاعل، ولا تمر ساعة حتى يتعثر زميله الصحافي بالسجاد فيقع على يده ويكسرها، وتصاب المرأة بالشلل النصفي، والشاب بالشيخوخة المبكرة، بسبب نظرات أعين الناس النارية.

إلا أن الجيل الذي ينتمي إليه ذلك الرجل، لم يكن يشعر بعقد عصرنا هذا. فهو مفتوح القلب حسن النية. وقد يستعمل تعابير غير مألوفة، كتلك التي رواها الصحافي المصري مفيد فوزي عن لقائه مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، حين قال له في بداية اللقاء به وفي أول سؤال “ما الذي يدور بالضبط، في بؤرة تفكير السيد رئيس الجمهورية؟”، ففتح مبارك ذراعيه كعادته وقال بالعامية “إيه (بؤرة) دي يا مفيد؟ إيه الكلمة دي؟ دي زي غُرزة بتاعة الحشيش. وقّف التسجيل يبني. الله! بؤرة!”.

وفي تلك البؤرة التي تدور فيها العجائب في الشرق، كان صاحبنا ذو الصلعة الوردية، إلى جانب هوايته في المديح، مشغولا بتوثيق الحركات العلمانية في المجتمع العربي، وكان من أهم ما أراني إياه وثيقة إشهار حزب سمّاه مؤسسوه “الاتحاد الديمقراطي” أعلن عن ولادته في العام 1920 في بيروت، أقرّت الوثيقة في المبدأ الثالث من مبادئها أن “الحزب، مع احترامه لجميع الأديان على السواء، فهو لا يعترف لرجال الدين بأن ينتحلوا لأنفسهم حق تمثيل الشعب”. وقد ضم في هيئته التأسيسية السنّي والشيعي والماروني والدرزي والأرثوذوكسي والإنجيلي. ولعل ما قضى على ذلك الحزب حينها كثرة مدّاحيه الذين جلبوا له حسد الحاسدين وغيظ المغتاظين.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر