الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

ازرعوني في بلادي

الخطر الأكبر يكمن في الإحساس المتعاظم بالتمزق الذي قد يحرم البعض من الشعور بالارتياح النفسي ويولد لديهم إحساسا داخليا بالصراع.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/09/23، العدد: 10403، ص(21)]

ذكرتني أغنية “ازرعوني في بلادي/ فأنا أهوى بلادي” التي كتب كلماتها شاعر الطفولة العراقي جليل خزعل ولحنها الملحن اللبناني إلياس الرحباني، بحال الملايين ممن اقتلعوا من جذورهم لا سيما الأطفال، وأصبحوا يعيشون على هامش بلدان يحملون جنسيتها، ولا يشعرون بالانتماء إليها.

وأذكر هذه الأغنية لأن صورها الشعرية الرائعة، لا تحكي فقط قصة الفلسطينيين ومعاناتهم اليومية، بل تعبّر عن واقع مرير وأعمّ يعيشه الكثير من المهجّرين في بلدان تحتضنهم ولا يشعرون بدفئها، وتنص قوانينها ودساتيرها في الغالب على حمايتهم وضمان حقوقهم، أسوة بمواطنيها الأصليين، إلا أن النظرة العامة إليهم لا تخرج من إطار الصورة النمطية للغريب الذي يهدد التماسك الاجتماعي ويقلق الأوضاع الأمنية.

كما تلصق بهم أكثر من تهمة وصفة ونعت تجعلهم يتيهون عن ذواتهم ولا يفهمون معنى حياتهم، ويتساءلون مرارا وتكرارا من نحن؟ إلا أنهم لا يجدون لسؤالهم الذي يختلج في صدورهم جوابا يشفي غليلهم ويرمّم التصدع الكبير بداخلهم، فيختلط عليهم الإحساس بالغربة والحزن على أوطان فارقوها عنوة، وافتقدوها لكن لا أمل في العودة إليها.

ومؤخرا أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن حوالي 50 مليون طفل تم “اقتلاعهم من جذورهم” في أنحاء العالم، وأجبروا على ترك منازلهم وبلدانهم جراء الحروب والعنف والفقر والاضطهاد، وأغلبهم قد عبر الحدود بمفرده بحثا عن أوطان بديلة.

ربما أكون قد قوّلت شاعر الطفولة ما لم يقله في قصيدته، ولكنْ وجه الشبه كبير بين شجرة الزيتون التي تحدث عنها الأستاذ جليل في قصيدته وصعوبة نموها في غير تربتها الأصلية، وبين الأطفال الذين يقتلعون من أوطانهم ويراد منهم الاندماج في أوطان أخرى، فيجبرون على الانضواء تحت لواء أنظمتها وقوانينها، وفي الوقت نفسه يطالبهم أهلهم بأن يحافظوا على هويّتهم الأصلية.

لقد أحيت تلك الأغنية في ذاكرتي صورة مؤلمة لطفلة صومالية لم تتجاوز السادسة من العمر، أرادت نزع الحجاب عند شعورها بالحر في أحد أسواق العاصمة البريطانية لندن، إلا أن والدتها نهرتها بقسوة، وقفزت نحوها بسرعة لتشده من جديد على رأسها، فيما الفتاة تتململ موجهة نظرات استغراب ودهشة إلى الفتيات اللاتي يلهين حولها بلا غطاء للرأس وقلوبهن مفتوحة على البهجة والمرح، أما قلبها هي فمطالب بأن يكون منغلقا على عالم لا تفقه منه شيئا، سرق منها طفولتها وزرع في نفسها شعورا قويا بالشك يمكن أن يدمّر كل الأحاسيس الطفولية المتدفقة بداخلها.

لم تغادر تلك الحادثة التي كنت شاهدة صامتة عليها، ذاكرتي، وتحسّرت على قدر هؤلاء المهاجرين القاسي والصعب، الذي يجعلهم يعيشون سنوات طويلة وربما مدى الحياة معلقين بين عالمين، عالم غادروه ولكنه لم يغادرهم في عاداته وتقاليده التي ظلت تلاحقهم في جميع ممارسات حياتهم اليومية، وعالم تدفقت عليهم الحرية فيه ولكن القيود المكبلين بها تحرمهم من التمتع بها.

ولكن الخطر الأكبر يكمن في الإحساس المتعاظم بالتمزق الذي قد يحرم البعض من الشعور بالارتياح النفسي ويولد لديهم إحساسا داخليا بالصراع يدفعهم إلى الانغماس والتعمق في أيديولوجيا وأفكار التنظيمات المتشددة، فيصبحون قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة لتحرق الأخضر واليابس.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر