الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

معرض استعادي لأوسكار وايلد في سجن ريدينغ اللندني

تأويلات النقاد وشتى الاتهامات بخصوص غياب المثل والقيم الأخلاقية في النص دفعت وايلد إلى الرد على أولئك المحتجين ضمن فئة النفاق الأدبي قائلا 'لا تطالب الفنان بمواقف عاطفية عابرة'.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/09/25، العدد: 10405، ص(14)]

هنا في هذه الزنزانة ذات الباب المفتوح سجن اوسكار وايلد

ترى ماذا بقي من أثر من تلك الرحلة الشائقة، رحلة المجهول الإنساني المديد الذي تمثله سيرة وتاريخ شاعر وكاتب وعلامة فارقة في عصره مثل أوسكار وايلد؟

الرحلة التي تنطوي على التمرّد الشعري والنفور الشرس من قيود الزمان والمكان، أن يعيش الفنان كامل نزقه وحريّته، تمرّده وطيشه ونوازعه المتّقدة التي لولاها لن يكون مبدعا ولا شاعرا لكن المفارقة أن ينتهي كل ذلك بالزج به في السجن ولتبدأ رحلة رسائل السجن.

آية الاختلاف كانت هي العلامة الفارقة في الرحلة برمّتها وإلاّ لن يكون الإبداع ذا قيمة ما لم يخرج على النمطية ويشق له دروبا مختلفة ويجهز على أزمنة ذابلة وميتة لينعش ربيعا كونيا حافلا بالحياة ومفعما بالفعل الجمالي.

تألق البدايات

ما كان ذاك إلاّ مقدمات تنطبق برمتها على صورة أوسكار وايلد في عزّ عبقريته وهو يدرس في جامعة أوكسفورد ثم ليسطع نجمه كاتبا مختلفا ذا ذائقة ووعي شعري مختلف يحلق في فضاءات الإبداع، وكان لذلك امتداد وجذور، أوسكار الطفل المولود في العام 1854 مولع بالأدب صغيرا، يعيش حياة هانئة في مدينة دبلن بأيرلندا، أمّه هي الأخرى كاتبة وأديبة تغرس في نفسه ذلك الولع الجميل، صلة ما مع تلك الأمّ العظيمة تدفعه إلى واحدة من مقولاته الساخرة “كل النساء يصبحن مثل أمهاتهن ، هذه مأساتهن، ولا يوجد رجل يصبح مثل أمّه وتلك هي مأساته”.

قصة وايلد مع سجنه ومع الحبر والورق ترويها صحيفة الغارديان في أحد أعدادها الأخيرة وتروي قصة أجمل رسائل الحب التي كتبها وايلد وكلها تحت وطأة السجن الرهيب

يحفر عميقا في الآداب الإغريقية واللاتينية ويبدأ إلماعاته الشعرية لتتوج بمنحة يفوز بها في جامعة أوكسفورد، هناك سيطل على العالم الجامعي شاب مختلف عن أقرانه، تشير يومياته إلى أن أول علامات اختلافه تمثّلت في الزي المميز والألوان اللامعة للثياب التي كان يرتديها، حرصه على تزيين غرفته بالرسوم والزهور، كان ذلك إبان صعود ما عرف بالحركة الجمالية المحتجّة على الرومانسية المسرفة، وأما شعريا فقد عبّر عن الوجود الصاخب للبنية الشعرية التي ستلفت نظر الجميع وصولا إلى فوزه بجائزة رفيعة هي جائزة “رافينا” في العام 1878 ثم ليتخرج بمرتبة شرف وينتقل إلى الحياة الأدبية والشعرية في لندن وهو في أوج عطائه بنشر أول كتبه الشعرية في العام 1881 تحت عنوان “قصائد”.

في العام التالي مباشرة سيكون في مواجهة عملاق الأدب الأميركي والشعري والت ويتمان، في أثناء زيارة وايلد للولايات المتحدة وحيث سيرتبط الاثنان بصداقة متينة، يصفه ويالد قائلا “ليس في الولايات المتحدة كلها من هو أكثر من ويتمان أجلّه وهو أقرب إلى ذاتي”، احتفل الاثنان بأول عمل مسرحي تحت اسم “فيرا” كتبه وايلد وتمّكن من إنتاجه وعرضه في نيويورك ليعود بعدها إلى لندن.

النفاق الأدبي

تجري أيامه فيتزوّج من كونستانس لويد، وهي سيدة رفيعة المستوى من سيدات المجتمع ولينجبا طفلين وتعلن كونستانس أنها تزوجت رجلا بوهيميا بالفعل عاشت معه طقوسا غرائبية شتى، إن هي إلاّ طقوس الشاعر في تجلياته التي عبّر عنها فيما بعد من خلال كتابه الأشهر “صورة دوريان غري” وقصص أخرى، الكتاب الذي أثار من حوله لغطا واسعا فيما يتعلق بأفكار وتوجهات وايلد والمشاعر الأكثر عمقا وذاتية من وجهة نظر ذكورية خالصة، الذات التي يمكن أن تُرسَل إلى الخطيئة من أجل الوصول إلى الحقيقة الكاملة المتوارية خلف الجمال.

تأويلات النقاد وشتى الاتهامات بخصوص غياب المثل والقيم الأخلاقية في النص دفعت وايلد إلى الرد على أولئك المحتجين ضمن فئة النفاق الأدبي قائلا “لا تطالب الفنان بمواقف عاطفية عابرة، وأما ما تسمونه أنتم الفضيلة والشر، فهي ثنائية تشبه استخدام الرسام للألوان”.

شاعر أناشيد السجن

القصة لن تقف عند هذا الحد، عندما يتهم وايلد بالميول المثلية مع اللورد الفريد دوغلاس، المتخرج حديثا من أوكسفورد، تتسرب أخبار تلك العلاقة إلى والد هذا الأخير وتقع خصومة شديدة بينهما تنتهي برفع وايلد دعوى بالتشهير ضد خصمه والد دوغلاس لكنها ستنقلب بشكل مباغت على وايلد نفسه وتنتهي بحملة تشهير طالت سمعته ووصفه بأفظع الصفات المتعلقة بالشذوذ، زوجته تحمل طفليها وتسافر بهما إلى سويسرا وتقوم بتغيير اسميهما لمحو اسم وايلد نهائيا من حياتها مع أنها لم تنقطع عن مساعدته ماليا أما وايلد نفسه فسيقضي حكما بالسجن لمدة عامين بما فيها من أشغال شاقة.

قصة وايلد مع سجنه ومع الحبر والورق ترويها صحيفة الغارديان في أحد أعدادها الأخيرة وتروي قصة أجمل رسائل الحب التي كتبها وايلد وكلها تحت وطأة السجن الرهيب.

رسائل السجن هي العلامة الفارقة بعد تلك المسيرة المشحونة بمتعة الشعر وشقاء العزلة في آن معا، هي “أنشودة سجن ريدينغ” رائعة وايلد التي يصف فيها عذاباته في ذلك السجن الرهيب الواقـع في غرب لـندن والذي كان بحق كافـيا لتـدمير حياة وشخصية وايلد، وغيره كثير، بالكامل، أما اليوم فسيحتفي شعراء وكتّاب ومصوّرون بذكـرى وايلد في ذات المـكان، في ريدينغ، في الأقبية والزنزانات الضيقة لذلك السـجن الرهيب الذي أوقـف اسـتخدامه منذ عقود ومع ذلك بقيت فيه بقايا أصوات وآهات وايلد، احتفالية ستمتد شهرا كاملا.

كاتب من العراق

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر