الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

'أنا وأنتِ وأمي وأبي' ينتقد الاستقطاب ويكرسه

  • بعد 100 دقيقة هي مدة الفيلم السوري “أنا وأنتِ وأمي وأبي”، سيفاجأ المتابع بأنه لم يشاهد سوريين في شوارع دمشق، باستثناء ثلاثة رجال؛ أولهم يشرع في قتل الجندي “طرفة”، وثالثهم ينجح في اغتيال الجندي نفسه مع حبيبته في المشهد الأخير، أما بقية أبطال الفيلم فيخضعون للتقسيم “الذهني” الصارم وفقا لثنائية الأخيار والأشرار، وهم أسرى بيوت مغلقة على شروخ نفسية من تجليات الحرب الأهلية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/09/27، العدد: 10407، ص(16)]

فيلم حافل بالحوارات

إذا فاتت المشاهد متابعة مقدمات الفيلم السوري “أنا وأنتِ وأمي وأبي” للمخرج عبداللطيف عبدالحميد، وشاهده بعد “التترات” سيقول إنه من إنتاج وزارة الثقافة والمؤسسة العامة للسينما السوريتين، وإشراف محمد الأحمد، وسوف يحسن الظن، وينتظر مشاهدة عمل فني “إنساني”، يؤكد من المشهد الأول إدانته لصراع مسلح أنتج استقطابات حادة داخل الأسرة الواحدة.

ومع توالي “القصف الحواري” الزاعق، كما أراد مؤلفه ومخرجه السوري عبداللطيف عبدالحميد، سيؤدي الفيلم إلى نتيجة أخرى ربما غير مقصودة، تجعله تكريسا للاستقطاب، ومنصة يتوالى على اعتلائها الجميع في مواجهة مواطن واحد، صامت غالبا، ولا يكفون عن كيل الاتهام له، كأنه مسؤول عن تحول حلمه بالديمقراطية إلى كابوس، هكذا يكرر الفيلم إدانته لفكرة الحلم بالتغيير، في مديح للاستقرار بأي ثمن يدفعه الشعب من آدميته، حين يتنازل طائعا عن حريته، ويشتري بها أمنه.

الفيلم يفتقد إلى الثراء البصري المشغول بالتجاور الأفقي للأفكار، في مشاهد حوارية طويلة تمتح من الدراما التلفزيونية

مثقف أعزل

الرغبة في صنع عمل فني دعائي (مسرحية، أغنية، فيلم)، لا تمنح صاحبه الأناة والفطنة ليتقصى جذور التفاصيل، وقد تجاهل الفيلم أسئلة عن أسباب “الثورة”، كما أهمل أمورا مستقرة في ذاكرة مواطنين ومتابعين أعمق وعيا، وأكثر تذكرا لما يريد أن يرسخه، بالادعاء بانحراف الأحداث عن براءتها الأولى التي استمرت بضعة أشهر. في بدايات أيام البراءة أعلنت القيادة السورية في أعلى تمثيلاتها عن تعرض البلاد لمؤامرة خارجية يُستخدم فيها إرهابيون مسلحون، وبعد أن جذبت الجغرافيا السورية إرهابيين ومرتزقة متعددي الجنسيات والطوائف اعترف بشار الأسد بأن الاحتجاجات في الأشهر الستة الأولى كانت سلمية.

لم يذكّره أحد بعبثية مؤامرة ينفذها أطفال درعا، ولم يُعن الفيلم إلاّ بترديد حكايات المؤامرة على المشاهد وعلى بطله، وهو أستاذ جامعي غير متصالح مع من حوله، ولكنه متسق مع قيمة الحرية التي بشّر بها، وانتظرها بعد اندلاع الثورة في مارس 2011، ولا يزال يراهن عليها، غير عابئ بأعراض تسمم تتزامن أحيانا مع الولادات المتعسرة.

لا يمارس بطل الفيلم وصاية على غيره، ولا يجبر أحدا على انتظار ثمرة ما يؤمن به، ولكنه في الوقت نفسه لا يفعل شيئا إلاّ المزيد من انكماشه على نفسه، وانسحابه إلى الداخل، ويظل هدفا لتلقي نوبات لوم من زوجته ومن أبيها، وتوعيتهما له بأوهام الديمقراطية التي كانت جسرا عبر من خلاله إرهابيون، فاستباحوا الأرض وأهلها الآمنين.

كما يذكره ابنه طرفة بقول يوسف القرضاوي “لو كان النبي حيا لوضع يده في يد الناتو”، ولا يخلو الفيلم من خطب منبرية يعتلي فيها والد الأستاذ الجامعي درجا أشبه بمنبر، لكي يلقي على ابنه درسا في الانتماء الوطني، وأن الثورات يخطط لها الدهاة، وينفذها الشجعان، ويجني ثمارها الجبناء، وهي حكمة فائضة على دراما الفيلم، وعلى وعي أستاذ جامعي لم يجن من حلمه بالعدل إلاّ مرارة الثمرة ودمويتها.

حب آت من وراء النافذة

يبدأ الفيلم بشروع بائع “فلافل” في قتل الجندي طرفة ابن الأستاذ الجامعي، بدسّ السم له في “ساندوتش”، وبالمصادفة كانت دارسة الموسيقى عفاف تطل من النافذة، وترى الجندي يسقط على الأرض، فتتصل بخطيبها لإنقاذه.

وفي المستشفى تتأكد مؤامرة البائع لتسميم الجندي الذي يعود إلى المتهم ويواجهه بالجريمة، وترى الفتاة مشهد الاستجواب غير الرسمي، فتهبط من البيت وتعبر الشارع، وتسب البائع وتضربه بحركات هستيرية غيرة على الجندي الذي ستحبه ويحبها، رغم أنف أخيها المتشدد، ويتفقان على الزواج.

شوارع خالية

يجري الشجار في شارع خال دائما، وحين تظهر ملامح وجه مواطن فإن هذا يكون مقدمة لمصيبة، إلاّ إذا توافق مع الجندي، فبائع “الفلافل” سيصير رسول غرام يحمل ورد طرفة إلى عفاف، أما الرجل الذي يظهر وجهه في نهاية الفيلم، ويعلو صوته بـ”الله أكبر”، فيلقي عبوة ناسفة في حاجز مروري، باتجاه سيارة يجلس فيها طرفة وعفاف، ثم ينفتح باب حافلة صغيرة، ويشرع حاملو الرشاشات في إطلاق النار على الشابين.

لا يعمق الفيلم وعيا فكريا لدى مشاهديه، هناك جمهور يؤمن بالرسائل المباشرة لصناع الفيلم ولا ينقصه المزيد من “الإرشاد الوطني”، وجمهور يشكك في الفيلم وسياق إنتاجه ويستدعي المسكوت عنه في العمل وفي المشهد السوري الرسمي معا.

أما الجمهور غير المتورط في الشأن السوري فيعنيه العمق الفني، وهذا لا يحققه إلاّ البعد الجمالي، عبر ثراء بصري يفتقده الفيلم المشغول بالتجاور الأفقي للأفكار، في مشاهد حوارية طويلة تمتح من الدراما التلفزيونية.

وفيلم “أنا وأنتِ وأمي وأبي” من بطولة سوزان نجم الدين، بشار إسماعيل، سامر عمران، يامن حجلي، حسام تحسين بك، مرام علي وآخرين، وقد شارك في المسابقة الرسمية بمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، يقدّم مباراة غير متكافئة، وضع فيها عبداللطيف عبدالحميد بطله في المرمى، وظل الآخرون يتناوبون على التسديد إليه، وهو غير معني بصدّ كرات من لهب الكلام. والأكثر ظلما أن الفيلم ثبّت بطله في مكانه، ولم يمنحه حرية الحركة لإنقاذ مرماه من أهداف أخفق الجميع في تحقيقها في شباك مثقف أعزل مهزوم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر