الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

نهاية التحالف الطائفي في العراق

الاستجوابات داخل البرلمان العراقي هي انعكاس لما وصلت إليه حالة عدم الثقة بين أطراف العملية السياسية الثلاثة (شيعة وأكراد وسنة) والتشظي الحاصل داخل تلك الأطراف نفسها.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/09/27، العدد: 10407، ص(9)]

مسلسل استجوابات الوزراء الذي بدأ بوزير الدفاع خالد العبيدي مرشح الكتلة السنية، واستمر مع وزير المالية ومرشح الكتلة الكردية هوشيار زيباري، سيتواصل حسب التسريبات إلى وزير الخارجية إبراهيم الجعفري بعد تنحيته من موقع رئيس التحالف الشيعي ومجيء عمار الحكيم بدلا عنه. وهناك قضايا أكثر من الفساد المالي في وزارة الخارجية إذا ما فتحت، فقد تعرضت السياسة الخارجية للبلد إلى الفشل الحتمي وإلى عزلة العراق عربياً ودولياً، ولا تشفع لذلك الموالاة الأميركية للحكومة العراقية في هذه الأيام لأغراض المصالح الأميركية في العراق لطرد داعش، والمحافظة على مكانة إستراتيجية في هذا البلد لكونه ما زال يشكل موقعا مهماً في خرائط المنطقة الجيوسياسية، كما تعيش مؤسسة الخارجية سياسة إدارية بائسة لا تمت بصلة إلى مكانة هذا المرفق الحيوي، حيث تم استبعاد الكفاءات الدبلوماسية العراقية الراقية، وإحلال الفاشلين والمتخلفين والموالين محلهم.

إن الاستجوابات داخل البرلمان العراقي هي انعكاس لما وصلت إليه حالة عدم الثقة بين أطراف العملية السياسية الثلاثة (شيعة وأكرادا وسنة) والتشظي الحاصل داخل تلك الأطراف نفسها. ورغم غلاف “محاربة الفساد” الذي يحيط بتلك الاستجوابات، فإن من تابع وقائعها في حالة وزيري الدفاع والمالية لا يجد من مسار المناقشات أو سياسة رئاسة البرلمان ما يشير إلى أن الغرض هو مسك خيوط النهب الملياري الذي تم من قبل مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وآخرين والوصول إلى نهايات قضائية تقتص من اللصوص الكبار وترميهم في السجون وتعيد الأموال المنهوبة، وما زالت قصة مزاد الدولار اليومي مستمرة لنهب المال العراقي وتهريبه إلى الخارج بأوراق وهمية. سمعنا أنه حين ورد تورط رئيس البرلمان سليم الجبوري بشبهات الفساد ذهب إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، مدحت المحمود، الذي سبق لرئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي أن عينه في هذا المنصب “مدى الحياة” ولم نسمع سابقاً بمثل هكذا تعيين إلا للإمبراطوريات والممالك، وجلس الجبوري في مكتبه ولم ينته من تناول “شاي الضيافة” إلا وصدر قرار تبرئته “لعدم كفاية الأدلة”، في حين يقبع الآلاف من الأبرياء من أبناء جلدته في السجون والمعتقلات منذ سنوات تحت تهم كيدية دون محاكمة أو إطلاق سراحهم.

كلا الاستجوابين لم يكونا لهما طابع مهني احترافي يتعلق بمسيرة الوزيرين، وإنما عبارة عن فقاعات إسقاطية وصدى لتغييرات محتملة بالتحالفات داخل العملية السياسية. الاستجواب الأول كان من قبل النائبتين حنان فتلاوي وعالية نصيف وهما بخلفيات سياسية من الكتلة الشيعية، والثاني من قبل هيثم الجبوري الذي يقود “جبهة الإصلاح” داخل البرلمان، وسبق أن انبثقت هذه الجبهة إثر اجتياح جمهور مقتدى الصدر للبرلمان في الثلاثين من أبريل الماضي، وهذه الجبهة قدمت برنامجها لإسقاط حكومة العبادي ورئاسة البرلمان، لكنها تعطلت ودخلت في البرنامج التدريجي من الوزراء إلى رئاسة الحكومة، رغم صعوبة إقصاء الحكومة لأسباب إقليمية ودولية، لأن العبادي يحصل اليوم على دعم أميركي ودولي كبير بسبب معركة الموصل المقبلة قبل نهاية هذا العام. وهذه الجبهة مكونة من كتل سياسية مختلفة وتشكيل غير متماسك ولها مهمات مرحلية كتمهيد لما قد يحصل في الأيام المقبلة.

انتهت التحالفات الطائفية على وقع الاستجوابات ولم يعد هناك وجود لتحالف شيعي كردي، بعد أن أصبح سنة الحكومة والبرلمان في خبر كان

ولعل عملية إقصاء وزير المالية ذات أهداف سياسية أكثر من قصة وزير الدفاع، فهوشيار زيباري كان وزيرا للخارجية لأكثر من عشر سنوات ووزيرا للمالية أكثر من سنتين، وهو قيادي كبير في الحزب الديمقراطي الكردستاني وخال مسعود البرزاني رئيس الإقليم، ولهذا فالرسالة السياسية المقصودة متعددة المصادر موجهة إلى البرزاني نفسه، وقد صرح زيباري بأن الاستجواب “كان بدفع من نوري المالكي وكتلة دولة القانون من أجل إسقاط حكومة العبادي” كما أعلن عن اسم الشخص الذي هرب مبلغ ستة مليارات وأربع مئة وخمسة وأربعين مليون دولار. خصوصية الضربة الموجهة إلى زيباري الكردي، أنها تعلن لأول مرة عن انهيار ما كان يسمى “بالتحالف الشيعي الكردي” الذي بنيت عليه العملية السياسية بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 وكذلك تصدع الكتلة الكردية، وهي مناورة سياسية لاختراق الجسم الكردي من خاصرة “الاتحاد الوطني الديمقراطي” الذي تقوده حالياً السيدة هيرو، زوجة جلال طالباني، رغم معارضة كل من برهم صالح وكوسرت رسول وهما قياديان في الاتحاد الوطني، كوسرت رجل عسكري وأمني قبل أن يكون سياسياً له تاريخ حافل بالحركة الكردية قبل 2003. أما برهم صالح فقد حاول استثمار علاقته السابقة مع جلال طالباني لكي يبني لنفسه مجداً سياسياً جديداً وحلم بملء الفراغ بعد مرض جلال طالباني، لكنه لا يمتلك شعبية بين الأكراد، وعليه علامات استفهام كثيرة، رغم أن لديه ثقافة سياسية ليبرالية اكتسبها من بريطانيا ومن علاقاته بجهات أميركية كثيرة.

لكن الواقع الكردي شيء آخر، وما زالت العلاقات التقليدية ذات تأثير كبير في الشأن السياسي الكردي، ولا يمكن لقائد سياسي داخل الاتحاد الوطني أن يملأ مكان “مام جلال”، لكن زوجته الحديدية هيرو تمسك بالمال والسلطة والدعم الإيراني. الجسم الكردي يتعرض اليوم إلى التفكك، وقد تؤدي الأحداث إلى تداعيات سلبية يمكن أن تؤخر دعوات البرزاني إلى الاستقلال الكردي. كما تحظى قيادة الاتحاد الوطني وحركة التغيير بدعم سياسي من أقوى رجل في التحالف الشيعي وهو نوري المالكي الذي لا شك بأن لديه حسابات لتحالفات جديدة مع الأكراد كلما اقتربت الانتخابات المقبلة كجزء من شغله الجديد في تحالفات أخرى لقوى وشخصيات عراقية لا يستطيع رئيس الوزراء العبادي القيام بها، وهو الذي يسعى إلى لملمة مسيرته لإنهاء دورته بسلام.

المشكلة الكبيرة بين الأكراد ككل ومركز بغداد هي قضية تقاسم الأرض والثروة، وكأن العراق لا يمتلك مقومات دولة متماسكة بالأرض والشعب. خارطة العراق بقاعدتيْها تتعرض اليوم إلى إعادة صياغة داخلية للتقاسم بين الأكراد والشيعة والسنة على وقع المعركة ضد داعش وطردها من الموصل. هناك تفويض أميركي لمسعود البرزاني بالدخول في معركة الموصل دون التوقف عند مسألة ماذا بعد داعش من خرائط محلية جديدة. والأميركان هم الذين يديرون هذه المعركة وفق تصريحات قادتهم العسكريين وقد استكملوا الآن تعداد مقاتليهم إلى خمسة آلاف أميركي من النخبة.

وفي جلسة استماع مجلس الشيوخ الأميركي لقيادة البنتاغون يوم 22 سبتمبر الحالي كان هناك عزم من وزير الدفاع ورئيس أركانه على أن لا مشكلة جدية في طرد داعش من الموصل، والمشكلة هي ما بعد داعش، وكيف سيتعامل العراقيون بنينوى ما بعدها، ووجهة نظر الأميركان أن تقاد الموصل من قبل الشرطة المحلية. لكنهم على قناعة بأن مسعود البرزاني لديه خرائط جديدة لنينوى، وأنه لن ينسحب من المناطق التي يعتبرها كردستانية، دون اهتمام لما ستكون عليه بقية الأراضي الأخرى. هناك أحاديث حول تقسيم نينوى إثنياً وعرقياً إلى سبع أو ثماني وحدات مستقلة.

وعلى الرغم من غموض ما سيحدث بعد طرد داعش من الموصل والعراق، إلا أن الكتل السياسية الكبيرة وخاصة في الجزء العربي من العراق تستحضر إمكانياتها لجولة الانتخابات المقبلة، ولم تتأثر بموجة التظاهرات الشعبية التي اجتاحت العاصمة ووسط جنوبي العراق من أنصار تلك الكتل”الشيعية”، كما لم تتأثر تلك التي تاجرت بالدفاع عن العرب السنة والبعض من زعمائها سرقوا مبالغ “النازحين” وغيرها من صفقات العقود المشبوهة.

ويبدو أن الجميع لا تعنيه أصوات مكافحة الفساد، فاللعبة متقنة “غطيلي وأغطيلك”. لقد انتهت التحالفات الطائفية في وقت مبكر على وقع الاستجوابات النيابية، ولم يعد هناك وجود لتحالف شيعي كردي، بعد أن أصبح سنة الحكومة والبرلمان في خبر كان، ويتوقع أن تطرح في الأيام المقبلة مجدداً نظرية “الأغلبية السياسية” حيث تتبلور قوى وشخصيات جديدة من بين العرب الشيعة والسنة والأكراد والتركمان، وتتم التعبئة حولها لكن المشكلة هي قيادات الميليشيات المسلحة التي ستبحث عن مواقع سياسية متقدمة في المشهد السياسي، وكيفية ضبطها ومن الذي يضبط حركتها في الشارع العراقي؟ لم يعد هناك تحالف كردي شيعي، ولم تعد هناك تحالفات طائفية، الجميع مرتبكون ولعل مرحلة ما بعد داعش ستكشف الكثير.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر