الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الموقف والماهية

إذا كانت ماهية الشخص لا تظهر إلا بوصفها موقفا، فإننا نستطيع أن نتعرف على ماهية شخص ما من موقفه من المرأة، موقفه من الفقر، موقفه من الدكتاتورية وهكذا.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/09/27، العدد: 10407، ص(14)]

نعرف الموقف بأنه نمط من الانتماء إلى قضية تظهر ماهية الشخص. بل قل الموقف هو ظهور الماهية. وظهور ماهية الشخص متعينة بالمواقف التي تعني بأن الشخص هو ظهور ماهيته الآن، الماهية بوصفها تلك الظاهرة الآن تعني بأن الشخص اتخذ قرارا في أن يتواجد على هذا النحو دون سواه.

وإذا كانت ماهية الشخص لا تظهر إلا بوصفها موقفا، فإننا نستطيع أن نتعرف على ماهية شخص ما من موقفه من المرأة، موقفه من الفقر، موقفه من الدكتاتورية وهكذا… ولكن من حيث مواقفه الآن وليس من قبل. هب أن شخصا كان مع حرية المرأة ثم اتخذ موقفا جديدا ضد حرية المرأة، فإن ماهيته الحقيقية هي موقفه الآن. إذن الشخص بما يظهر الآن دون أن يفقد مسؤوليته عن ظهوره الماضي. لكن سلوكه الآن هو الذي يمنحه شكل الحضور.

هب أن شخصا مثقفا ما سُجن من أجل فكرة إنسانية عظيمة والدعوة إليها والانتساب إلى جماعة تجعل منها أُس أيديولوجيتها، ثم في لحظة لاحقة خرج من السجن واختار أن يكون مناهضا للفكرة نفسها التي سُجن من أجلها واتخذ موقفا فكريا وعمليا من وحي جديده المتناقض مع قديمه، فماذا نقول عن ماهيته؟ إن ماهيته الجديدة هي ماهيته الحقيقية الآن.

تبرز هذه القضية أكثر ما تبرز في عالم المثقفين الذين غالبا لا يستقرون على حال، لأن وعيهم يتغير بسبب عدة عوامل متشابكة: المعرفة، الوعي النقدي، المصلحة، النكوص، الأزمات الشخصية، الأزمات العامة، استيقاظ الهوية النائمة، الخبرة، الوعي الأخلاقي، المنبت الاجتماعي، والمنبت الطبقي، وتشكل الذهنية تاريخيا، والانحياز الأيديولوجي، إلخ. وكل هذه العوامل تظهر أكثر ما تظهر في اللحظات المفصلية في تاريخ المجتمع، وبخاصة في الانقلابات الثورية. وهذا ما حصل الآن في عالم المثقفين العرب ويحصل بفعل الربيع العربي.

لقد كشف الربيع العربي عن المواقف المتنوعة للمثقفين بوصفها الماهيات الأقوى الآن. وراحت العوامل الآنفة الذكر تفعل فعلها بشكل قوي جدا، والتجربة السورية الثورية هي أكثر التجارب وضوحا في تحولات ماهية المثقف السوري.

فالتحولات العاصفة في المجتمع والنظرة إلى المستقبل والانحياز الذي صار لا بدّ منه لم يترك مجالا لستر المواقف، فأظهر كل الهويات والماهيات الممكنة للمثقفين سواء كانت تعبيرا كتابيا، أو سلوكا سياسيا.

فلقد تساءل شخص على صفحة الفيسبوك: كيف يمكن لشاعر كتب عن التمرد والحريّة أن يكون مع الطاغية والمستبد وقتل الناس؟ هل كان كاذبا في ما مضى؟ وهل هو صادق الآن؟

ليس مهما معرفة ما إذا كان صادقا أو كاذبا، إنه الآن. لم يكن يشعر بهويته النائمة، ولا بتهديد لمصلحته القائمة، ولا بهشاشة اعتقاداته الحداثية، وحين صار أمام الثورة وجها لوجه، ظهر كل هذا وغيره في تشكيل وعيه، وبالتالي موقفه، وهويته وماهيته.

والحق إنه لن يجد جوابا شافيا عن هذا السؤال وعن غيره دون العودة إلى تلك العوامل التي ذكرت.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

:: اختيارات المحرر