الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

خطاب الندم لدى الإسلاميين.. مراجعة استراتيجية أم ضرورة مرحلية

  • تنامي الحزم الدولي في محاصرة التطرف والإرهاب، وكذلك صحوة الشارع العربي من الخطاب الحماسي والتخديري الذي انتهجته الجماعات الإسلامية، بالإضافة إلى التحالفات السياسية الجديدة..كل ذلك جعل الإسلاميين يقدمون تنازلات مشفوعة بالنقد الذاتي، لكنّ الكثير من المراقبين يعتبرونها شكلية، ومجرد انحناء للعاصفة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(13)]

العقيدة الأيديولوجية والمرجعية السياسية هي بوصلة الإخوان

صحيح أنّ هناك أخطاء سياسية بالإمكان تجاوزها والقفز فوقها لا سيّما إن تعلقت بانعدام تجربة صاحبها أو بالتداعيات المحدودة للهفوة محليا وإقليميا ودوليا، لكنّ الأصحّ أنّ هناك كوارث استراتيجية وسياسية لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها، خاصّة وأنّ تداعياتها تجاوزت المدى القطري واستتباعاتها مست برمزيّة قضيّة قومية بامتياز وانعكاساتها عبثت بقدسية الوحدة الوطنية.

أن يعترف خالد مشعل رئيس المجلس السياسي لـ“حماس” بأنّ الحركة أخطأت حساباتها في غزّة عندما توهمت قدرة التحكم في القطاع وجانبت الصواب حينما اعتبرت أنّ زمن “فتح” انتهى، لهو كلام حقّ واعتراف صادق يقتضي استقدام المسامحة والمغفرة من الشعب الفلسطيني أولا ومن الوطن الفلسطيني ثانيا ومن القضية التاريخية ثالثا.

يأتي الاعتراف بالخطأ بعد 10 سنوات كاملة من مشاركة حركة حماس في الانتخابات البرلمانية ومن انضوائها ضمن منظومة أوسلو ومن اجتبائها لمسلكية فصل القطاع عن الضفة الغربية، ومأسسة الانقسام الفلسطيني الذي تحوّل إلى احتلال داخلي أكثر ضراوة وقسوة من الاحتلال الصهيونيّ تكريسا لمقولة شاعر الرفض العراقي مظفر النواب ” قتلنا الردّة كلّ واحد منّا يحمل ضدّه”.

هناك إصرار من حماس على البقاء ضمن “منزلة ما بين المنزلتين” حيث تشارك في السلطة والحكم في مقابل عدم اعترافها باتفاقيات أوسلو 1993، وتدعو إلى التوافق والإجماع الوطني الفلسطيني في مقابل رفض الاعتراف بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وتصرّ ضمن خطابها على رمزيّة القضية في حين أنّها تمأسس للانقسام عبر إرساء مؤسسات تشريعية وتنفيذية في القطاع.

إصرار من حماس على البقاء ضمن "منزلة ما بين المنزلتين" حيث تشارك في الحكم مقابل عدم اعترافها باتفاقيات أوسلو 1993

هذا الإصرار الذي استمرّ لنحو 10 سنوات كاملة، سرعان ما صارت له مفاعيل ووظيفة إقليمية ودولية بحيث أنّ الانضواء الإقليمي ضمن مشاريع عابرة للأقطار والأوطان صار المقابل التناظري لمقدّمة الخروج عن الإجماع الوطني الفلسطينيّ.

منذ 2011 وحماس ترهن رأسمالها الشعبي المؤصّل ضمن شعار “البنادق والخنادق لا الفنادق”، والممهور للانتفاضتين الأولى والثانية قبل تحوّلها إلى مراقب أمني لباقي فصائل المقاومة، واضعة كلّ بيضها السياسي والاستراتيجي ضمن سلّة مشروع الأخونة.

اختارت حماس في 2012 إلى منتصف 2013 محور “الدوحة –اسطنبول- القاهرة” وضحّت بحلفاء الأمس متبنية أجندة المحور على جغرافيا العرب، وفي الوقت الذي كانت فيه حركة فتح تطالب بتحييد المخيمات والفلسطينيين عن أوار الحرب السورية اختارت حماس مسلكية مغايرة تماما، زجت بالمخيمات وعلى رأسها مخيم اليرموك في قلب المحنة السورية وحوّلت جزءا معتبرا من اللاجئين الفلسطينيين إلى وقود حرب سواء في صفّ المعارضة الراديكالية منها والمعتدلة أو في صفّ النظام.

أداء حماس طيلة هذه الفترة يحتاج إلى مراجعة شاملة أوّلا وإلى اعتذار علني للشعب والقضية ثانيا، وثالثا الإسراع بخطوات تصحيحية تجذّر المسار الخطابي الكلامي الذي أورده خالد مشعل.

مشعل الذي يبدو أنّه صدق في مقولة واحدة حيال الإخوان المسلمين حيث دعاهم -من باب اللوم لا النصيحة- إلى التعامل مع شركاء الوطن من بوابة التعاون وليس الاستفراد مقراّ في الوقت عينه بوجود خلل في التعامل مع هؤلاء الشركاء.. يبدو أيضا أنّه وصل إلى هذه النتيجة من سياق الضرورة والحاجة الملحة وليس من سياق الاقتناع بعلوية الوطن والمواطنة والشراكة السياسية مع الحلفاء والخصوم أيضا.

إحدى المشاكل الكبرى للإخوان المسلمين والتي قد تحول دون تحوّلهم إلى شركاء حقيقيين في المشهد السياسي العربي كامنة في تعاطيهم الانتهازي مع مفهوم الشراكة الوطنية والذي لا يدخل معجمية الإسلاميين إلا إذا لامست ظهورهم الحائط وانكشفت قلّة حيلتهم.

لولا وقوف المجتمع المدني في صف الديمقراطية لباتت تركيا اليوم بين خيارين اثنين؛ إما استحضارا لدكتاتورية وإما حربا أهلية

ذلك أنّ عبارة الوحدة الوطنية والشراكة السياسية سرعان ما استحالتا إلى مفهوم مفتاح في خطاب حركة النهضة مباشرة عقب الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي في جويلية 2013 وإسقاط حكم الإخوان المسلمين في المحروسة، وهي عبارة عوّضت بشكل سريالي عبارة الشرعية الانتخابية والإرادة الشعبية التي وشحت بها حركة النهضة مضامينها الاتصالية طيلة 2011 و2012 والنصف الأول من 2013.

كما أنّ العبارة المؤشكلة ذاتها بدأت تجد مكانتها في خطاب حركة البناء الليبية –حزب إخواني ليبي- وفصائل مكونة للمؤتمر الوطني الليبي -الغرفة التشريعية السابقة-، تحديدا بعد بلورة خرائط طريق دولية جديدة لإنقاذ ليبيا تبدأ من الاعتراف بشرعية الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر وبالمؤسسات الديمقراطية التي انبثقت عن شرعية الصندوق الانتخابي في الاستحقاق البرلماني فيما كان خطاب المنظومة الإخوانية الليبية يدور حول ثنائية “الشرعية الثورية والدولة العميقة” وتناقضيّة “سلاح الثوار وسلاح السلطة”…

وليس بعيدا عن إخوان تونس وليبيا، غيّر رجب طيّب أردوغان خطابه حيال المعارضة التركية بعد التمرّد العسكري الذي تعرّض له مؤخرا ولولا وقوف المعارضة الديمقراطية والمجتمع المدني في صفّ الديمقراطية المتضادة مفهوما وممارسة مع القوة العسكرية للتغيير لباتت تركيا اليوم بين سيناريوين اثنين، إما استحضارا لدكتاتورية الجيش والعلمانية الشاملة وإما حربا أهلية.

اجترح أردوغان مفهوم “الشراكة الوطنية” مع المعارضة في مواضيع الدستور الجديد والقضية الكردية والشأن الإقليمي بعد أن كان تكريسا حقيقيا لفكرة شخصنة السلطة.

قد يكون من السابق لأوانه تقديم تقييم دقيق لخطاب الشراكة لدى الإخوان المسلمين ومدى ارتباطه الوثيق بالأداء السياسي ولكن أن يدلي خالد مشعل بخطاب الاعتراف والإقرار بالذنب وهو يستعدّ لمغادرة رئاسة الحركة، وأن تبدأ النهضة في مسار التحالف مع نداء تونس وغيرها من الأحزاب السياسية فقط عقب تضييق الخناق عليها داخليا وخارجيا، وأن يدبّج أردوغان مضامينه الاتصالية بعبارات التعاون مع الأحزاب العلمانية فقط عقب إدراكه بأنّه عاجز عن اللعب وحيدا مع سدنة معبد المؤسسة العسكرية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر