الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

معاندة الفطرة تورث الفضائح الأخلاقية

تبتلى مصر في الآونة الأخيرة بجيش يجتذب مئات الألوف من العاطلين عن العمل والتفكير الحر والقلق الإيجابي المحرض على التغيير. أعضاء هذا القطيع المتصالح مع أي استبداد سياسي يستبدلون بالبطالة عملا يسمونه 'الدعوة'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(9)]

كما يفرح شيوخ الفتنة بأخطاء العلمانيين، ويرونها عقابا إلهيا مستحقا على ما يحسبونه بعدا عن الدين، ويشيعونها بالكثير من الاستعلاء والزهو الزائف غير عابئين بفضيلة “الستر”، فإن كارهي رموز اليمين الديني أيضا يتلقفون فضائح الشيوخ، قبل التثبت من الوقائع، والتفرقة بين الشائعات والحقائق، ولكنهم لا يربطون بين هذه الأخطاء وبين الدين، ولا يشعرون بالزهو، وإنما يزدادون ثقة بحكمة الله إذ “خلق الإنسان ضعيفا»، كما يردد البعض منهم قول السيد المسيح “ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير”.

الشماتة بفضيحة أخلاقية في مصر لا تختلف كثيرا عن أخرى في المغرب.

في ذروة صعود اليمين الديني في مصر، عام 2012، قبض على برلماني عضو في حزب يميني متهما بارتكاب فعل فاضح في الطريق العام. وقبل انتهاء تحقيقات النيابة أصدر قطاع من الرأي العام حكما بإدانة الإمام السلفي، واستعيدت مقاطع من خطب طالما شدد فيها على التحذير مما يسميه فتنة النساء، طوال عشرين عاما استهلكها في الإمامة والدعوة إلى حسن الأخلاق والآداب، والتوعية بفقه المرأة. (ملحوظة: في المغرب تطلق كلمة “التحسيس” بلا حساسيات على “التوعية”)، ومن فتاواه المستعادة تحريم كشف المرأة لوجهها أمام أشقاء زوجها، “إلا إذا كانوا غير بالغين”، وأفتى بغير تواضع قائلا “إن مذهبي ومذهب جماهير أهل السلف في هذه الأيام أن النقاب فرض وواجب”. وفي برنامج تلفزيوني آخر يجيب عن سؤال: هل يجوز للمرأة رفع النقاب أمام طلاب الصف الخامس الابتدائي؟ قائلا إن “الذكور” في هذه السن بلغوا مرحلة المراهقة، ويجب على المرأة ألا تكشف وجهها أمامهم.

تُبتلى مصر في الآونة الأخيرة بجيش يجتذب مئات الألوف من العاطلين عن العمل والتفكير الحر والقلق الإيجابي المحرض على التغيير.

أعضاء هذا القطيع المتصالح مع أي استبداد سياسي يستبدلون بالبطالة عملا يسمونه “الدعوة”، ولأنهم يخاطبون مسلمين، فليس في جعبتهم دعوة إلى إله غير الله، ولا في بضاعتهم الفقهية تعاليم لدين جديد غير الذي يؤمن به جمهورهم من المسلمين، ولهذا يجيدون “فنون أكل العيش” ترغيبا وترهيبا، ولا أسهل من شغل الحيز الأكبر من الفراغ العام، ومساحات البث التلفزيوني، بقضايا جسد المرأة، باستعراض تفصيلي لا يخلو من شبهة اشتهاء، وللداعشي أبي إسحق الحويني -المحرض على الكراهية والداعي إلى إحياء فقه السبي وفك الضائقة الاقتصادية للمسلمين ببيع العبيد- فتاوى أشد وطأة، جاءت إحداها ردا على سؤال عن حكم وضع “البيشة”، وهي غلالة سوداء، فوق النقاب لتغطية العينين؟ فأجاب بيقين “إذا كان النقاب ساترا للمرأة ولا يَظهر إلا شيء من عينيها، هذا كاف إذا لم يبيّن العين، لأن البعض من الأخوات بكل أسف ينزلن النقاب عن الوجه قليلا فيكنّ أشد فتنة… إذا ظهرت عيناها فقط كانت أشد فتنة”، أي أننا دخلنا بحمد الله إلى مرحلة ما بعد النقاب.

أسوياء الفطرة يرتقي سلوكهم ويتطور وعيهم بالجمال ويسخرون من ماض أطفأت سعاره ثقافة التعايش مع المختلف، لكن هذا السعار يظل مكبوتا لدى البعض من تجار الدعوة

وعلى الرغم من بلوغنا هذه المرحلة من اللغْو باسم الدين، والغلوّ في التدين، ففي اختبار الأقوال لم ينجح الإمام الأزهري المتهم بارتكاب فعل فاضح مع قاصر في الطريق العام، ولنا أن نطل على عناوين مؤلفاته ومنها “تحقيق المقال في رمي الجمار قبل الزوال”، و”حكم لبس النقاب للمُحْرِمة وتغطية الوجه للمُحْرِم”، ومن أبحاثه “العلمية”: “أهمية الخلافة وحكم إقامتها”، و”حكم الإقامة في بلاد الكفار”.

تجنبتُ أي تعليق على قضية السلفي المصري على مدى أربع سنوات، آملا أن يكون البعض من أفراد الشرطة أوفياء لتاريخهم وما عهدناه فيهم من تجنّ على أبرياء، وإيمانا بهدي المسيح “ولا تدخلنا في تجربة”.

لم أخض في هذا الوحل والوحل المضاد، إذ تغيب النزاهة، وتتوفر نية الاغتيال المعنوي، ويتوحش جهاز الشرطة في التربص والوقيعة؛ ففي لحظة القبض على الإمام السلفي قالت الفتاة بارتباك “أنا زوجة الشيخ”، وسألها أحدهم “أنت مؤمنة؟”، وببراءة أجابت “مؤمنة”. ولا علاقة للشرطة ولا لغيرها من المؤسسات المدنية والدينية بالتفتيش في الضمائر.

ولم يمض صيف 2016 الساخن إلا بتفجر قضية من هذا النوع، طرفاها رجل وامرأة من قادة الحركة السلفية في المغرب. كلاهما قيادي في “حركة التوحيد والإصلاح”، وكلاهما نجم يحمل لقب “الداعية”. لم أكن أعرف هذه السيدة، ولم أتابع مواعظها الغزيرة التي تحظى بمعدلات مشاهدة مرتفعة على اليوتيوب؛ لفقداني الرجاء في الكثير ممن يتخذون “الدعوة” مهنة، ويعمدون إلى تجميل “البضاعة”؛ فالزبائن يملّون بمرور الوقت، ويحتاجون إلى من ينعش غريزة الخوف. وتجيد السيدة الضغط على هذا الوتر، بخطاب انفعالي يتخذ مسارا هابطا من منصة إلى جمهور لا يناقش، وينتظر من يطمئنه ويمنحه اليقين بأنه “على الحق المبين”، وأن الآخر على ضلالة، ومن يتشبه بهذا الآخر سيحشر معه، وأن واقع الأمة حاليا يسمي الأخطاء والخطايا بغير أسمائها، “فسمى الغواية تحررا، وسمى الشذوذ تقدما وحرية فردية، وأطلق على السعار الجنسي أنه حاجة إنسانية… لا تقتربي فالضحكات الخليعات زنا، والكلمات المغريات زنا”.

منذ بضع سنوات، وضمن صراع “تجار الدعوة” على المال، قال أحدهم إن زميلا له تزوج عشرين مرة، يحتفظ بثلاث زوجات، ويستبدل بالرابعة غيرها ما شاءت له طاقته.

لا حرج بالطبع في أن يتزوج من يشاء كما يشاء، ولكن للظاهرة بعدا نفسيا مرَضيا، فالذين يشعرون بالوهن والاستعداد للفتنة، والانهيار أمام جمال المرأة، يبالغون في تصنع التعفف، ويعاندون فطرة تعاقب من يخالفها بانفجار الكبت من أضعف سبيل. أحدهم يلح على لعن ممثلة بعينها لأنه يشتهيها، وآخر يعوّض ما يتمناه بالتحذير من آثار النظرة، بتقص فاضح وهو يشرح مفاتن المرأة.

لنتخيل رجلا عاش في مجتمع مغلق، لم يشاهد في التلفزيون مصارعة بين جميلات، ولا فيلما أو برنامجا يستضيف نساء. حين يذهب للمرة الأولى إلى مدينة، ربما يظن النساء نهبا، لعينيه على الأقل، وسوف تعلمه الحياة في مجتمع مديني معنى آية “ولا تمدن عينيك”، وتدعوه إلى غض البصر، واحترام حريات الآخرين ما داموا لا يمسونه بأذى.

أسوياء الفطرة حتى لو كانوا غير متعلمين وغير متدينين يرتقي سلوكهم، ويتطور وعيهم بالجمال، ويسخرون من ماض أطفأت سعاره ثقافة التعايش مع المختلف، ولكن مثل هذا السعار يظل مكبوتا لدى البعض من “تجار الدعوة”، ومرهونا بالقدرة والنفوذ، ومحركا لفتاوى ترهيبية ساذجة لم تنفع أصحابها أنفسهم، ويبطل مفعولها سريعا، لأنها تستهدف جمهورا محليا محبطا، ولا تحترم عقل مسلم عاش في مجتمع يقدس الإنسان.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر