السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

رأس البصل

تلك الليلة تحدثت أنا وصديقي كثيرا، وبعد أن حاكمنا الأمبريالية والرأسمالية ولعنا التاريخ، فجأة تحوّل الحديث عن ضرورة “فغص” رأس البصل براحة اليد وبقوة بدلا من استخدام السكين لتقطيعه قبل الأكل.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/09/29، العدد: 10409، ص(24)]

قبل مواقع التواصل الاجتماعي، كانت ذكريات المغتربين والمبعدين والمبتعدين عن بلدانهم شخصية جدا وخاصة تماما، تدور فقط في خلدهم أو عندما يفصحون عنها للأصدقاء المقربين، أحيانا يتم تبادل الذكريات ومقارنتها بين أصدقاء من بلدان مختلفة لاكتشاف أوجه الاختلاف والتشابه. عند مقارنة التفاصيل الصغيرة من أيام الطفولة، وبعد إزالة ما يعتريها من خصوصية الجغرافيا واللغة والسياسة والدين، نكتشف أننا كبشر متشابهين جدّا في أمور الحنين.

قبل هذا العصر كان التحكم في الذكريات والحنين أسهل بكثير، فنختار متى نطلق لها العنان ومتى نتحدّث عنها ومتى نركنها جانبا للتركيز على ضروريات الحياة في الغربة، أما الآن فقد أصبحت الذكريات تلاحقنا من خلال الفيسبوك وغيره من شبكات التواصل.

هذا الصباح فاجأني فيديو على الفيسبوك وضعه شاب فلسطيني لطيف، يتحدث بلهجة فلاحية تختلط فيها الآرامية مع العربية، يصوّر ويشرح طريقة قديمة جدا، ولكن مازالت مستخدمة في البعض من المناطق لاستخراج الزيت من الزيتون، أولا يقوم بحرق حبات الزيتون ومن ثمّ يدرسها (يهرسها) بحجر كبير، بعدها يأخذ العجينة الناتجة ويضعها فوق ماء يغلي في قدر، ويترك القدر جانبا ليبرد المزيج، ولكي يطفو الزيت فوق الماء ويسهل فصله.

بعدها يجلس الشاب ممسكا برغيف خبز تنور ساخن ليأكله مغمسا بزيت الزيتون الذي استخرجه للتوّ، يمسك برأس بصل ويهوي عليه بيده (يفغشه). يأكل الشاب ويقول إن هذا أفضل أكل في العالم، ويعلن أن هدفه من نشر هذا الفيديو كي يقهر المغتربين، الذين يعتقدون أن المطاعم “الشلبية” أي الجميلة في الغربة، هي التي تقدّم ألذّ الأطباق، فهي عنده لا تضاهي هذا المكان الذي هو فيه، ولا تقدّم طعاما أفضل ممّا يأكل، وأكلها لا يساوي رأس البصل.

أضحكني الفيديو وأبكاني في الوقت نفسه، وجعل الحنين يعصف داخلي من جهات لم أعهدها من قبل، فقبلها بليلة، كنت أجلس مع صديقي العراقي رشيد الخيون في إحدى مطاعم لندن، من النوع الذي وصفه الشاب بـ”الشلبية” وتهكم عليه في الفيديو، وكأن الشاب كان يجلس معنا وصنع الفيديو ليقهرنا أكثر.

تلك الليلة تحدثت أنا وصديقي كثيرا، وبعد أن حاكمنا الأمبريالية والرأسمالية ولعنا التاريخ، فجأة تحوّل الحديث عن ضرورة “فغص” رأس البصل براحة اليد وبقوة بدلا من استخدام السكين لتقطيعه قبل الأكل، تذكرنا الخبز الذي كانت تصنعه أمهاتنا في تنور نار الحطب، وتحسّرنا على تلك الأيام وجمالها، شاركت صديقي بإحدى ذكرياتي العزيزة من أيام الطفولة، وكيف كنت آخذ صحن زيت الزيتون وأجلس بجانب أمي، وهي تخبز لكي آخذ منها الرغيف لحظة خروجه من على النار، أما هو فحدثني كيف كان يقوم بنفس الطقوس ولكن من دون زيت الزيتون، لعدم وجوده في تلك المنطقة من العراق، فكان يأخذ ضمّة من نبات الرّشاد (نوع من النبات يشبه الريحان) ويجلس بجانب أمه ينتظر خروج الرغيف.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر