الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

أدونيس والمعايير المخلوطة

أدونيس يسقط مصطلح الحداثة الغربي الذي استخدم كمحدد تحقيبي مركب لمراحل تاريخية أوروبية بدأت بذورها في عصر النهضة على الواقع التاريخي العربي.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(15)]

على مدى سنوات طويلة واسم الشاعر السوري أدونيس (أحمد علي سعيد) يتصدر المشهد الأدبي كداعية لما يسميه بالحداثة في الشعر والنقد والسياسة والحياة، من دون تمييز واضح بين هذا المصطلح وبين مصطلح الحداثية اللذين هما من وضع المفكرين والنقاد الغربيين، منهم أنطوني غيدنز.

ويعدد غيدنز الأبعاد المؤسساتية للحداثة الغربية في نقاط أساسية يمكن تلخيصها بسرعة في “الرقابة بواسطة التحكم في المعلومات، والرأسمالية باعتبارها تراكم الرأسمال في سياق العمل التنافسي وأسواق الإنتاج، والتصنيع باعتباره تحويلا للطبيعة وتطويرا للبيئة المبتكرة، والقوة العسكرية باعتبارها التحكم في وسائل العنف في سياق صناعة الحرب”.

وبالمقابل، فإن الحداثية تعني باختصار شديد الحركات والأشكال الفنية والثقافية والفكرية التي عرفها فضاء أوروبا ونطقت فنيا وثقافيا بروح الحداثة، وعبّرت عن موقفها النقدي تجاه التقاليد الثقافية والفنية السائدة في فترة ما قبل الحداثية، ومن ثمة قدّمت مضامينها وصيغها وأشكالها كبديل لها. الملفت للنظر هو أن أدونيس يسقط مصطلح الحداثة الغربي، الذي استخدم كمحدد تحقيبي مركب لمراحل تاريخية أوروبية بدأت بذورها في عصر النهضة، وأثمرت في عصر التنوير لغاية نهايات القرن التاسع عشر والطور الافتتاحي للقرن العشرين، على الواقع التاريخي العربي.

وفي هذا السياق يحدد أدونيس تيارين مؤسسين للحداثة عربيا أحدهما تيار سياسي-فكري وأقطابه الخوارج والقرامطة والحركات الثورية والاعتزال والعقلانية الإلحادية والصوفية على نحو خاص، والثاني تيار فني رواده، في تقديره، هما الشاعران أبونواس وأبوتمام، ومن ثم يورد أسماء شخصيات وحركات سياسية وفكرية وفنية أخرى تنتمي إلى الأزمنة التالية على العهدين الأموي والعباسي حتى عصرنا هذا، مدرجا إياها في خانة الحداثة.

وهنا نلاحظ مرة أخرى الخلط عند أدونيس بين مفهوم الحداثة كحقبة زمانية وكمؤسسات وكمجموعة من الشروط التاريخية وكأساليب حياة اجتماعية، وبين مفهوم الحداثية كإنتاج ثقافي وفني وفكري، حيث يتكرر هذا باستمرار في كتبه “الثابت والمتحول”، و”الحوت الأزرق” و”زمن الشعر”، و”فاتحة لنهايات القرن”.. إلخ. وأكثر من ذلك، فإنه يقوم بخلط المصطلحات حين يعتبر جبران خليل جبران منتميا إلى الحداثة بدلا من اعتباره ينتمي جزئيا فقط إلى الحداثية. ثم فإن أدونيس يغلب عليه الموقف النقدي ذو البعد الواحد جراء عدم كشفه عن ثنائية جبران المتضادة لحد الغرابة فعلا والمتمثلة في حداثيته في كتبه النثرية وفي تقليديته شكلا ومحتوى في أعماله الشعرية الكاملة المكتوبة بالعربية باستثناء قصيدة “المواكب”، وهذه ظاهرة تدعو فعلا إلى الدهشة.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر