الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

عريان يسلب ميتا!

أمن الإنسان لا يجب أن يختصر في مسألة البقاء على قيد الحياة فحسب، بل يجب أن يشمل تلبية حاجياته الأساسية، وأيضا جميع المسائل المتعلقة بنوعية حياته وجودتها، والأهم أن تبقى كرامته مصانة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(21)]

لم أجد تعبيرا أكثر بلاغة من المثل التونسي الذي يقول “عريان يسلب ميتا”، لأصف به ما يتعرّض له المستهلكون في بلداننا العربية، وخاصة أصحاب المداخيل الضعيفة، من غش واحتيال من قبل الباعة، يصعّبان عليهم المعيشة وينغصان عليهم الحياة.

ويقع اللوم في الغالب على المستهلكين المدعوين إلى اليقظة والحذر، لحماية أنفسهم من كل أشكال الغش المستشرية في السوق. ولكن أليس اللوم على الفقراء أكبر بدعة ممن لم يعش بؤسهم؟

العوز وقلة الحيلة، لا يتركان مجالا أمام المعدمين بالحياة في بلدانهم لاختيار الأفضل والأجود، ولا يكون أمامهم خيارا آخر غير الوقوع فريسة للأسعار الأرخص، التي تتناسب مع ضعف قدرتهم الشرائية، حتى وإن كانت السلع التي أنفقوا عليها أموالهم سموما قاتلة.

للأسف، حين يحضر الفقر، يغيب حيز التفكير الواعي وتصبح للحاجة أحكامها وفروضها، ويكون الهمّ الأول والأخير إشباع البطون بأيّ شيء، من أجل البقاء على قيد الحياة. وأصبحت الحياة في مختلف مجتمعاتنا العربية عبارة عن حلقة صراع مالي للوصول إلى حالة من التوازن، بين ميزانية محدودة من جهة ومصاريف لا تنتهي وأسعار ملتهبة، ومن الصعب أن تتحقق المعادلة حتى في ظل التخلي عن الكثير من الضروريات.

وقد أشارت البعض من التقارير لمنظمات دولية إلى وجود حوالي 11 مليون شخص في العالم العربي يعيشون على أقل من دولار في اليوم الواحد. إلا أن مثل هذه الإحصائيات، لا يمكن الاستدلال بها على حجم الفقر ومظاهره، ووقعه على الفئات الاجتماعية التي تئن تحت وطأته، وتعيش يوميا معتركا من أجل تأمين لقمة العيش.

والفقر مهما اختلفت أشكاله وتعددت أسبابه، يعدّ الخطر الأكبر الذي يهدّد أمن واستقرار المجتمعات، ويعيق نموها وتطورها، وعلى الرغم من ذلك فأغلب الدول العربية التي تزيّن الحيطان بميزان العدالة، لا تولي الفقراء قدرا أكبر من الدعم والإحاطة، وتساعدهم على مجابهة ضنك الحياة، الذي ليس قدرا محتوما بقدر ما هو نتاج طبيعي لقوى الفساد والنهب والسلب المتعددة الأطراف والأشكال.

أمن الإنسان لا يجب أن يختصر في مسألة البقاء على قيد الحياة فحسب، بل يجب أن يشمل تلبية حاجياته الأساسية، وأيضا جميع المسائل المتعلقة بنوعية حياته وجودتها، والأهم أن تبقى كرامته مصانة.

ولا يسعنا هنا أن نتجاهل السبب الرئيسي لانعدام الأمن الاجتماعي والاقتصادي للشعوب العربية، وهو الفساد المنتشر على نطاق واسع من أعلى مفاصل الدول وصولا إلى الحياة العامة برمّتها.

ولذلك لا عجب أن تتصدر ثلاث دول عربية، وهي العراق وليبيا والسودان قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية.

وهذه الحقيقة المؤسفة من السذاجة بمكان الاعتقاد أنها من السهل استئصالها، لأنها غير مرتبطة بشريحة معينة، بل بمنظومة كاملة فاسدة من قمة الهرم إلى القاع، وليس من الغريب أن يسير أفراد المجتمع على نفس الدرب غير النزيه -مرغمون أو بإرادتهم- من أجل إتمام معاملاتهم أو تأمين قوتهم وقوت عائلاتهم.

والباعة لن يغيّروا ما بأنفسهم ولن يتخلوا عن أساليب الغش والخداع ما لم يروا إجراءات حقيقية وقوية، تعاقب المسؤولين عن الفساد مهما كانت درجاتهم في سلم الدولة وانتماءاتهم.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر