الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

أفول 'دولة الموصل' تجبر داعش على الاتكاء على منطقة شمال أفريقيا

  • توالي الضربات التي تلقاها داعش في الفترة الأخيرة، أدّى إلى المزيد من الإرباكات داخل صفوفه، وارتفاع حجم التكالب نحو خلافة البغدادي، حيث تسعى أسماء كثيرة لكسب ودّه وتتنافس في إقصاء بعضها البعض عبر رسائل التشكيك والتخوين والتكفير، ولعل اسم البحريني تركي البنعلي، هو من أبرز المرشحين لأن يلعب دورا إنقاذيا للتنظيم، وخصوصا في منطقة شمال أفريقيا، التي تعوّل عليها عصابات داعش لأكثر من سبب، رغم خساراتها في سرت الليبية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/09/30، العدد: 10410، ص(13)]

سعي داعش للتمدد هروب إلى الأمام

تصدر اسم تركي البنعلي واجهة الأحداث في الأيام الأخيرة، باعتباره الخليفة المحتمل لأبي محمد العدناني، الناطق الرسمي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والذي قتل في غارة جوية بحلب في 30 أغسطس الماضي. وبحسب مصادر أميركية مطلعة فإن أبا بكر البغدادي يمكن أن يلتقي مستشاريه في الأيام القادمة بالرقة للبتّ في موضوع خلافة العدناني، ومن المرجح أن يكون الشخص الجديد هو المرشح لخلافة البغدادي نفسه، في حالة قتله أو وفاته.

والبنعلي، وهو بحريني الجنسية، يحمل ألقابا عدة، من بينها “أبوسفيان السلمي” و”أبوحذيفة البحريني”، و”أبوهمام الأثري”، لكن هذا الاسم الأخير ارتبط به أكثر ووقّع به عددا من مؤلفاته ورسائله الجهادية منذ التحاقه بتنظيم الدولة في العام 2014. ويعدّ أحد أركان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وذلك في مجال الفتوى والتنظير، سواء في ما يتعلق بالدفاع عن تنظيم البغدادي أو في ما يتعلق بالهجوم على خصومه وبوجه خاص تنظيم القاعدة. وكان أحد تلاميذ السلفي الأردني عصام طاهر البرقاوي، المعروف بأبي محمد المقدسي، لكنه وبعد التحاقه بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كتب رسالة شديدة اللهجة ضدّه تحت عنوان “شيخي السابق، هذا فراق بيني وبينك”.

الظروف الراهنة التي يعيشها التنظيم في سوريا والعراق، بعد الضربات الموجعة والمتتالية التي تلقاها وباتت تهدّد وجوده في المنطقة، أو على الأقل دولته الوهمية التي أعلنها في الموصل، والتطلع إلى تأكيد تواجده في منطقة شمال إفريقيا، يمكن أن تكون عناصر مشجعة على اختيار البنعلي كخليفة للعدناني، ذلك أن الرجل يتوفر على علاقات متينة وقوية، كان قد نسجها في الأعوام السابقة مع سلفيين جهاديين في أكثر من بلد في المنطقة، والأرجح أن البغدادي كان قد عهد إليه بهذه المهمة خلال تلك المرحلة، استشرافا لما يمكن أن يحصل للتنظيم في العراق وسوريا.

فلقد حصل البنعلي على إجازات علمية من مشايخ سلفيين من المغرب العربي، اثنتان منها من الشيخين السلفيين المغربيين محمد بوخبزة، أحد الوجوه السلفية المعروفة بالمغرب، وعمر الحدوشي الذي كان قد اعتقل على خلفية الإرهاب عام 2003 وحكم عليه بثلاثين سنة سجنا، ثم أفرج عنه عام 2011 بعفو ملكي. والحدوشي نفسه هو من كتب مقدمة لكتاب البنعلي الذي صدر عام 2012 تحت اسم “الكناشة في بعض خصائص عائشة”، لكن البنعلي سوف يهاجمه في ما بعد في رسالته المشار إليها والموجهة إلى أبي محمد المقدسي، حيث انتقده إلى جانب هاني السباعي وطارق عبدالحليم بدعوى “ركونهم في ديار الكفر”، بحسب تعبيره.

تركي البنعلي يعد أحد أركان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وذلك في مجال الفتوى والتنظير

زار البنعلي تونس عقب أحداث الربيع العربي والتحولات التي حصلت في هذا البلد وظهور تيار السلفية الجهادية فيه بعد ثورة 14 يناير، حيث أقام مدة وجيزة. والواضح أنه كان يتلمس الأوضاع ويدرسها، ويبحث عن موطئ قدم له في إحدى الحركات الجهادية، وكان يراهن على أن منطقة المغرب العربي يمكن أن تكون مسرحا لانطلاق حركات عنف منظمة يمكن أن يجد فيها مكانا له، ذلك أنه انتقل إلى ليبيا حيث استقبله السلفيون الجهاديون، وعقد لهم هناك دورات شرعية ووجه دعوات إلى جهاديي المغرب العربي يحثهم فيها على التكاتف والتوحد. لكنه ما لبث أن غادر إلى تركيا، وعندما أعلن عن الخلافة في العراق وسوريا سارع إلى الالتحاق بالبغدادي حيث عرض خدماته على التنظيم الجديد، فتقرّب إلى البغدادي بكتاب صغير كتبه تحت عنوان “نُتف الآثار في إبطال مقولة السواد لباس أهل النار”، بعد أن ظهر البغدادي في الموصل عام 2014 لابسا اللباس الأسود وهو يعلن قيام الدولة.

كما ألف تركي البنعلي رسالة في الدفاع عن تنظيم الدولة سماها “القيافة في عدم اشتراط التمكين الكامل للخلافة”، تضمنت ردودا على مواقف السلفيين الجهاديين الذين عارضوا إعلان خلافة البغدادي، انطلاقا من أنها خلافة في جزء صغير من الأراضي العراقية والسورية وليست خلافة عامة في عموم ديار المسلمين، ومن ثم فإنها فاقدة للشرعية، لأنها فاقدة للشرط الرئيسي في الخلافة الإسلامية وهو التمكين؛ كما أنها بالتالي غير حاصلة على إجماع كافة الجماعات الجهادية ومشايخ التيار السلفي الجهادي، ممّا يقدح في شرعيتها. “التأصيل” لمشروع الخلافة الذي أعلنه البغدادي، فكان بذلك خير خادم لخليفته، ثم ألف كتيبا آخر لقي رواجا ملحوظا وسط أتباع التنظيم وعنوانه “مدّوا الأيادي لبيعة البغدادي”، والمثير أن دورة علمية نظمت بمسجد الرباط في مدينة سرت الليبية قبل عامين في صفوف الجهاديين كان موضوعها هذا الكتاب.

وفي العام الماضي زار ليبيا مرة ثانية، وهذه المرة موفدا من البغدادي، نظرا للعلاقات التي نسجها مع السلفيين الجهاديين هناك، حيث أقام مدّة بكل من سرت ودرنة. وخلال إقامته تلك، تم قصف معسكر “وغادوغو” في سرت، حيث كان يقيم، وذلك من جهة مجهولة، لكنه نجا من الموت ولم يصب بأذى. وكان تواجده في ليبيا يندرج في إطار بحث التنظيم عن منفذ جديد له بعد الأضرار التي لحقته في موقعه الرئيسي في سوريا والعراق.

ولعل بروز اسم البنعلي في هذه المرحلة، يشير من ناحية إلى المأزق الذي يعيشه التنظيم بقيادة البغدادي، الذي بدأت السبل تضيق من حوله ويحاصر على أكثر من جهة، ومن ناحية ثانية إلى رهانه الجديد على منطقة شمال إفريقيا، إذ ينظر التنظيم إلى هذه المنطقة بوصفها قابلة لكي يتمّ فيها زرع كيان جديد تابع له، بالرغم من خسارته الوشيكة لمعقله الرئيسي في سرت الليبية، غير أن تواجد العديد من الجماعات الجهادية في شمال وغرب أفريقيا بايعت التنظيم سابقا، يوفر له نوعا من الملاذ، وهو بحاجة إلى “مخاطب” معروف لدى هذه التيارات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر