الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الموصل تاج العراق ستطرد الغزاة

تجربة تحرير المناطق السنية لم تكن مشجعة على الاطمئنان لما سيكون عليه أهل الموصل. ورغم جميع المشاريع والصفقات الإقليمية والمحلية لكنها لن تصل إلى الاستعداد لفصل الموصل عن العراق مثلما يتصور الحكام في بغداد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/10/04، العدد: 10414، ص(8)]

معركة الموصل المقبلة وإعادتها لحضن العراق لا تأخذ أهميتها من الجانب العسكري فقط، ولكن لما تحمله الموصل من أهمية جيوسياسية ليس في العراق وإنما في منطقة الشرق الأوسط. كانت أهميتها التاريخية في القرن العشرين عند بريطانيا حيث صرح رئيس وزرائها، لويد جورج، عام 1920 أمام مجلس العموم البريطاني “ربما تخلينا عن البلاد العراقية كلها، لكنني لا أفهم الحكمة من انسحابنا من الجزء الأهم الذي يبشر بالخير العميم، فولاية الموصل ذات موارد عظيمة لأن فيها رواسب نفطية غنية ولعلها أغنى الموارد في العالم، فماذا سيحصل لو خرجنا منها”.

وكانت تركيا طامعة فيها منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك الذي طالب عام 1925 بولاية الموصل، لكن عصبة الأمم اعتبرتها عراقية. العراق تم احتلاله عسكريا واستبيحت أرضه عام 2003، وتم حل جيشه الوطني، ووصل به الوهن أن تسلل إلى داخله الأغراب طامعين ومتطرفين وتجار حروب ومخدرات، وأخطرهم تلك المجموعات الإرهابية المتمثلة بداعش، فاحتلت ثلث أرضه وعلى رأسها تاج العراق الموصل.

وبعد إنجاز العراقيين مهمة تحرير أراض مهمة من بلدهم في صلاح الدين وديالى والأنبار، وقبل تحرير آخر معقل لداعش ومركز إمارته الموصل، تتبلور مصالح الكبار والصغار في ظل غياب حكومة عراقية تتعاطى مع المعركة ضد داعش بمعايير وطنية وبمسطرة واحدة على جميع أصحاب المصالح، فمثلا لا توجد مبررات قانونية ودولية لتواجد القوات التركية على مسافة عشرين كيلومترا داخل الأراضي العراقية في منطقة بعشيقة تدعي تركيا أنها تقوم بتدريب متطوعين من العشائر العربية الموصلية.

وهناك ازدواجية في المعايير عند أهل الحكم في بغداد فيفترض بهم ألا يرفعوا أصواتهم على هذه الجهة الإقليمية ويصمتوا على تلك. ومن المستغرب أن تسمع هذا الضجيج الإعلامي ضد تركيا في حين يصرح السفير العراقي المعين حديثا في أنقرة، هشام علوي، بتاريخ 20 أغسطس 2016 “هناك مفاوضات تركية عراقية لتعزيز التعاون الأمني والعسكري والاستخباري”، لذلك لا يجوز الحديث عن التدخلات الخارجية والوطن مستباح من الآخرين ويجب ألا تقاس المواقف الإقليمية والدولية على أسس طائفية.

لا شك أن الأزمة السياسية في العراق قد انعكست على حالة الموصل الراهنة من حيث انعدام الثقة عند أركان العملية السياسية، فقد استبعد التحالف الشيعي الحاكم في السنتين الأخيرتين زعامات سنية لها صلات إقليمية عربية وتركية وخصوصا “النجيفيين الموصليين” اللذيْن يجعلان وغيرهما من وجهاء العشائر الموصلية من موضوع ما بعد تحرير “داعش” قضية للمساومة السياسية والشراكة في السلطة، أو احتمالات أقلمة الموصل وغيرها من المحافظات العربية السنية، ما قد يزعج التحالف الشيعي ومن خلفه طهران في المرحلة الراهنة، وهو أمر مرفوض من أهالي تلك المحافظات رغم ما يعانونه من مشكلات التهجير وانعدام الأمن.

تجربة تحرير المناطق السنية لم تكن مشجعة على الاطمئنان لما سيكون عليه أهل الموصل. ورغم جميع المشاريع والصفقات الإقليمية والمحلية لكنها لن تصل إلى الاستعداد لفصل الموصل عن العراق مثلما يتصور الحكام في بغداد. فالموصل عصية عن الانفصال عن جسم العراق.

نعم مسعود البارزاني وباتفاق مع الأميركان النافذين اليوم عسكريا في منطقة كردستان يسعى إلى الاستحواذ على بلدات مهمة لضمها إلى دولته الكردستانية المقبلة، سواء تحت ما سمي بالمناطق المتنازع عليها أو الحدود الكردستانية التي خطت بالدم حسب شعار البارزاني، ولعله يناور حاليا مع رئيس الوزراء حيدر العبادي في لقاء “الضعفاء” الذي تم أخيرا في بغداد لتأكيد دعمه للحكومة وقيادة التحالف الشيعي الذي يترأسه حاليا عمار الحكيم لإنجاز مهمة تحرير الموصل باشتراك مع قوات البيشمركة دون رضا كردي على إشراك الحشد الشيعي، وكذلك مشاكل اتفاق الغاز والنفط والميزانية.

إن تحرير الموصل يحمل أبعادا جيوسياسية مهمة تتجاوز حدود العراق إلى سوريا والمنطقة. ولا شك بأن أبناء الجيش العراقي الحالي هم عراقيون ولديهم عقيدة الجيش والوطن في طرد أي غاصب للأرض. ولكن مما يثير الاستغراب ذلك التضخيم الهائل في تعبئة القوة العسكرية الأميركية حيث هناك أكثر من ثمانية آلاف من الجنود الأميركان وحلفائهم داخل العراق، وهم من النخب الخاصة في ميادين القتال والاستخبارات بدعم ستين دولة من التحالف، ثم طلب رئيس الوزراء العبادي المزيد، مقابل الداعشيين الذين لا يتجاوز عددهم الأربعة آلاف حسب تصريحات القادة الأميركان أنفسهم، فهل هذا العدد يقابل كل تلك القوة الأميركية والدولية والعراقية؟ وهذا التساؤل يدعمه التساؤل السابق عن كيفية احتلال داعش للموصل في العاشر من يونيو 2014 وهزيمة القوات العسكرية التي بلغ تعدادها خمسين ألف جندي. وإذا تجاوزنا الإجابة العسكرية إلى الجانب التعبوي والإعلامي، فهناك اختلاف جوهري في الموازين النفسية بين فترتي الاحتلال وعملية التحرير.

لقد سبق أن اعتمد داعش على إحداث الصدمة النفسية لدى الجنود العراقيين في ظل أوضاع مزرية عاشها الموصليون بشهادات موثقة في إساءة المعاملة معهم من قبل قيادات الجيش والشرطة الذين هم من خارج مدينتهم، والتصرفات الحكومية السيئة في الاعتقالات العشوائية من دون أوامر قضائية وإهانات الناس، وقد استغل داعش ذلك في كسب مهادنة العرب السنة معه ومن أنه “المنقذ الإسلامي لهم من الاضطهاد”. ولكن ما حصل خلال سياسة مدعي “الخلافة الإسلامية” المزعومة كان حصاده كارثيا، وتقول المعلومات إن داعش يعتقل ما بين 20 و30 ألف شخص من بين القيادات الحكومية المحلية وضباط من الجيش العراقي السابق وبعثيين سابقين ووجهاء وزعماء قبليين ونساء عملن في السلك القضائي والحكومي وشباب عرفوا بنقدهم للفكر الداعشي، وباقي الأهالي من مسيحيين وإيزيديين وأكراد. وهذا مما يفندّ الدعوى الطائفية التي تقول إن حاضنة داعش هم العرب السنة. هذا المتغير الواقعي سيعطي قوة هائلة لمعنويات المقاتلين العراقيين لهزيمة داعش.

هذه الاستعدادات العسكرية وما رافقها من ضخ إعلامي أميركي لم تحصل لأن داعش أسطورة في القوة والقتال، ولكن لأن خلف ذلك حسابات سياسية أميركية وإيرانية ومحلية جميعها تحاول الحصول على نقاط قوة لمرحلة ما بعد داعش، دون الاهتمام بما ستخلفه هذه المعركة من نتائج خطيرة على المستوى الإنساني والاجتماعي وسط تصريحات لمفوضية شؤون اللاجئين عن نزوح ما لا يقل عن مليون شخص موصلي لن تتمكن الأمم المتحدة من توفير الحدود الدنيا من الغذاء والدواء والمسكن لهم.

هل وصل الحال بأهل الموصل إلى أنهم عاجزون عن طرد عصابات مجرمة من ديارهم، من غير الواقعي ذلك، فالتاريخ شاهد على بسالة أهل الموصل بوجه الغزاة. لقد قاومت الموصل حصار نادر شاه وانتصرت عليه عام 1743.

لماذا يراد لأهل الموصل أن يتحولوا إلى لاجئين لا يعرف إلى حد الآن أين وكيف سيقيمون؟ أليست هذه لعبة رخيصة يلعبها الأميركان وغيرهم من الطامعين وسذاجة الأحزاب المحلية التي تفرض المنهجين الطائفي والعرقي على أهل الموصل كغيرها من المدن العراقية التي طرد منها داعش؟ الهدف هو سحب كل الامتداد التاريخي لصمودهم وقدرتهم على طرد الغزاة، واسترخاصهم بتحويلهم إلى نازحين ضعفاء لتمرر عليهم اللعبة في إطار اللعبة الكبيرة بحق العراق، وهذا ما يرفضه أهل الموصل.

طرد داعش من الموصل لا يحتاج كل هذه الأساطيل وحاملات الطائرات والجيوش الكبيرة، يحتاج ببساطة إلى تسليح أهلها ودعمهم، فغالبيتهم متدربون على السلاح. ولا يحتاج إلى تلك الخلافات السياسية: هل يدخل الحشد الشيعي أم لا؟ وهل تدخل البيشمركة أم لا، أو قوات النجيفيين أو غيرهم؟ وعلى القوى السياسية الحاكمة الانتباه إلى مخاطر ما يجري حول العراق، والانحياز للوطن لأن للتاريخ حسابا، ولن تدوم حالة الضعف والهوان.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر