الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

صحافة بلا محررين

المنظومة الخبرية هي التي صارت تقدم لنا اليوم صحافة وكأنها بلا محررين، صحافة ديناميكية تفاعلية ناضجة تتجاوز الكثير من كليشيهات العمل الصحافي إلى إنتاج نوع متطور.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/10/04، العدد: 10414، ص(18)]

وأنت تدخل غرفة الأخبار تدرك ماذا يعني ذلك الماراثون الطويل الذي على المحررين أن يقطعوه يوميا وهم يلهثون وراء الأخبار، لكن أين هو ما يسمّى بتوجّه الصحيفة أو الفضائية وأهدافها المبطّنة؟ وأين هي رسائلها المدسوسة والمسمومة التي كثيرا ما نسمع عنها؟ فيما كان أولئك المحررون لا يكادون يلتقطون أنفاسهم.

في موازاة ذلك هل ثم متّسع للصحيفة أو الفضائية لتمارس ذلك التدليس فتخفي خبرا وتشوّه آخر وتدلق سمّا في خبر ثالث فيما هي محاطة بالعشرات أو المئات من المؤسسات الصحافية والإعلامية المنتجة لنفس تلك الأخبار؟

لا شك أن فرص الصحيفة أو المؤسسة الإعلامية تتضاءل إن كان هنالك من يفكر بتلك الطريقة التي كانت سائدة غالبا إبّان حقبة الحرب الباردة على الصعيد العالمي، وإبّان صعود المدّ القومي عربيّا ابتداء من خمسينات القرن الماضي.

لم تعد مسألة الوصول إلى الخبر على طريقة تكليف الصحافي وكأنه يتقمّص شخصية المخبر السرّي، يحمّله رئيس التحرير إرشادات لا بدّ منها ويلقّنه أسئلة بعينها ويحشو رأسه بأفكار مسبقة قبل أن يكتب قصته الصحافية.

ليس هنـالك اليـوم رئيس تحرير واع بما فيه الكفاية بما يجري من حوله يلقن كتاب الأعمدة ما يكتبون وما لا يكتبون، بإمكـانه أن يجيز عمـودا أو مادة أو يعترض عليها، أما قصة الأخبار التي يصنعها رئيس التحرير أو يتم طبخها في غرفة الأخبار فهي أشبه بالخرافة اليوم.

صار بإمكان جمهور الصحيفة أو المؤسسة الإعلامية أن يدخل طرفا، صار هذا الجمهور قادرا على التدخل في قصص يكون فيها شاهد عيان فيرفد الصحيفة أو الفضائية بأدلة وقرائن تستوجب إعادة تحرير الخبر.

المحرّرون المخضرمون الذين يشكلّون عصب المؤسسة الإعلامية صاروا أكثر تساهلا مع ما يجري من حولهم وأكثر استيعابا للأصوات المتعددة التي تروي الخبر.

فضائيات تتبنى رأيا واحدا تغلق الأبواب في وجه ما عداه وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه وهي تعيش عزلة مريرة وخطابا أحاديا فاقعا فتضطر سريعا إلى تبني ما يعرف بالرأي الآخر ولو على سبيل تجميل القبيح أو إسقاط الحجة.

السؤال الذي يطرح بصدد فكرة بصمة المحرر أين هي؟ وأين هو أثره؟ وأين هي بصمة غرفة الأخبار؟ وأسئلة نمطية أخرى عديدة يقابلها غياب أولئك المحررين العتيدين أو تواريهم بعيدا وانصرافهم عن أن يطلّوا برؤوسهم من بين مفردات الأخبار.

إنها حقبة الأخبار المركّبة التي تتداخل فيها وظيفة غرفة الأخبار والمحررين وإضاءات المراسلين وشهود العيان وتعليقات الجمهور في ذيل الأخبار ضمن كل تداخل لا يمكن فرزه أو تجزئته.

تلك المنظومة الخبرية هي التي صارت تقدم لنا اليوم صحافة وكأنها بلا محررين، صحافة ديناميكية تفاعلية ناضجة تتجاوز الكثير من كليشيهات العمل الصحافي إلى إنتاج نوع متطور وأكثر تأثيرا من المنجز الصحافي والإخباري خاصة.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر