الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

تلخيص'اجتماع باريس'

الكثير من الشرعيات تقوض الشرعية، والكثير من الوساطات تدحض الوساطة، والكثير من التسويات تضرب في الصميم فكرة التسوية، وقد تكون ليبيا اليوم تعاني من كثرة الفاعلين وقلة الفعل الحقيقي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/10/05، العدد: 10415، ص(9)]

دون أيّ نتيجة تذكر انتهى اجتماع باريس حول ليبيا وانفضّ المجتمعون بنفس السرعة التي تم خلالها الإعلان عن اللقاء الدولي.

تشير المصادر السياسية والدبلوماسية الليبية إلى أنّ فكرة الاجتماع، الذي ضمّ إلى جانب الدبلوماسية الفرنسية ممثلين عن مصر والسعودية وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدّة، تمّت بلورتها خلال زيارة رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج إلى باريس الأسبوع الفارط حيث تمّت صياغة جدول أعمال اللقاء التشاوري حول ليبيا.

لم يكن اجتماع باريس الذي انعقد الإثنين في العاصمة الفرنسية الاجتماع الأوّل من حيث قصوره عن تأمين مقوّمات حوار وطني ليبي جامع أو اجتراح تسوية سياسية قادرة على حقن الدم الليبي المراق منذ 2011، فالاجتماع سينضاف إلى قائمة اللقاءات الدولية الفاشلة التي انعقدت في تونس والجزائر والمغرب ومصر والتي عجزت عن وضع الليبيين على طاولة حوار واحدة.

وقد تكون المقاربة المعتمدة في تسوية الأزمات المشتعلة في الجسد العربي واحدة من مآسي الجرح العربي النازف، ذلك أنّ تمسّك الفاعلين الدوليين بمنظومة التحاور بين اللاعبين الإقليميين والوصول إلى “تسوية للإسقاط” على الواقع المحلي والأطراف الداخلية، دليل لا فقط على الاغتراب السياسي والاستراتيجي عن المنطقة، وإنما عن تفلّت الأمور وخروجها عن السيطرة.

فعلى مدى نحو 5 سنوات عجزت ثنائية واشنطن موسكو عن التطبيق الميداني لما تمّ الاتفاق عليه في الاجتماعات المغلقة حيال سوريا، وعلى مدى 4 أعوام أيضا فشل المجتمع الدولي في تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه حول ليبيا بدءا بورقة التفاهمات الموقعة في تونس أو اتفاق الصخيرات بالمغرب الأقصى.

ولا تزال إلى يوم الناس هذا عبارة “التفاوض بالسلاح بين أبناء الوطن الواحد والتحاور بالابتزاز والضغوط بين الفاعلين الإقليميين والدوليين على ذات الوطن المنحور” هي العبارة الحاكمة والمنسحبة للمشهدية الليبية والسورية وحتّى اليمنية.

ذلك أنّ تغييب الأطراف الليبية عن اجتماع باريس ولا سيّما منها الجهة الشرعية الممثلة في مجلس البرلمان أو المؤسسة العسكريّة مشكلة في القوّة الميدانية المقارعة للتنظيمات التكفيرية والسلفية المتشددة في الشرق الليبي، يضع أكثر من نقطة استفهام حيال الرسائل المبطنة لاجتماع باريس، فإن كان المبتغى تثبيت الشرعية الدولية في شخص فايز السراج فليست الاجتماعات التشاورية بمكان إثبات الشرعية أو نزعها ولا سيّما عقب تأصيل وتحصيل الإرادة الشعبية.

وإن كان المرمى حصر مصير ليبيا في الأطراف الدولية الحاضرة دون التفات لرغبة الليبيين وتطلعاتهم، فهذا استنساخ لوصفات الفشل في ليبيا وسوريا حيث يستعصي “الداخل” عن قبول إسقاطات “الخارج”.

القفز فوق حقائق الجغرافيا، السياسية والاستراتيجية والأمنية والميدانية، من خلال تغييب الدولة التونسية والدولة الجزائرية والمملكة المغربية بصفة أقلّ، لا سيما وأنّ تأثيرات الجرح الليبي وتداعيات فوضى السلاح والميليشيات ضربت هذه الدول في الصميم وعرّضت أمنها القومي للخطر، يؤشر إلى ارتجال دبلوماسي سقط فيه صاحب المبادرة ويدل على ضيق أفق الاجتماع وبالتالي انحسار نتائجه وتداعياته.

ولئن كان تغييب الدبلوماسية التونسية عن اجتماع باريس يعود أساسا إلى جوهر الرؤية الفرنسية للأزمة الليبية، فإنّ غياب الخارجية التونسية عن المشهد الليبي وضعف التأثير وقلّة الحضور المباشر وغير المباشر في بلد تحضر فيه كافة الدول الإقليمية الكبرى وفي بلد ذي تأثير مباشر على كلّ المحيط الإقليمي غير مفهوم ومجانب لكينونة الدبلوماسية زمن الأزمات وضعف الدول واستقواء الميليشيات.

الكثير من الشرعيات تقوّض الشرعية، والكثير من الوساطات تدحض الوساطة، والكثير من التسويات تضرب التسوية، وقد تكون ليبيا تعاني كثرة الفاعلين وقلّة الفعل.

ليبيا لا تحتاج من فرنسا اجتماعا لنظرائها من الفاعلين الإقليميين والدوليين، بقدر ما تحتاج اجتماعا لليبيين أنفسهم للتوافق حول مصير بلادهم، يحظى بإسناد ودعم الأطراف الإقليمية والدولية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر