السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

اهتمامات

أما أنا فقد تملكتني هواية قديمة تمثّلت بعدّ أعمدة الهاتف على جانبي طرقات السفر أعدّ معها المسافات التي نقطعها من أعمارنا.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/10/07، العدد: 10417، ص(24)]

الكثير من الناس لديه اهتمامات غير شُغله الجاد، لكن بعضهم يتعمد جعل اهتماماته غرائبية ليلفت النظر إلى نفسه. ويُرجع علماء النفس ذلك إلى عقد عميقة متشابكة الخيطان داخل الشخصية.

من البشر من تولّع بتربية الضواري الشرسة، ولا يخشى على نفسه منها، غير أن بعض هؤلاء افترسته اهتماماته، وراح ضحية هوايته الغريبة. آخرون سيطر عليهم الاهتمام بالتواريخ، فيقول لك واحدهم “سافرتُ قبل ثلاثين سنة إلى جنيف، وكان معنا مطرب شعبي يتعرّق بشدّة لأنه يركب الطائرة لأول مرة، وكان ذلك يوم السابع من أكتوبر، في تمام الساعة الثانية ظهرا وأربع دقائق. وكانت المضيفة ترتدي نظارات سميكة”، فتنسى الموضوع الأصلي وتسبح في عوالم بعيدة تعمرها التفاصيل الدقيقة المدعمة باليوم والساعة والدقيقة.

وقد أجرت غوغل تريندز إحصاءات لافتة لدراسة اهتمامات الناس في أنحاء العالم وخاصة العالم الإسلامي منه، فخلصت إلى أن الأندونيسيين هم أكثر الشعوب اهتماما بكلمة “إسلام”، بينما تصدر الباكستانيون قائمة المهتمين بـ”الجهاد”. أما الفلبينيون والأميركيون والأستراليون فكان على رأس اهتماماتهم “الحب”، كما تزعم غوغل.

وقد يتوقع المرء أن الإيطاليين سيهتمون بالجلد والأحذية والأزياء، لكن اهتمامهم تركّز على “الفياغرا”، هم والألمان والبريطانيون والروس، بينما انصب اهتمام أحد شعوب المنطقة على تجليات كلمة “حشيش”. أما الجزائريون، فما دام كل شيء عندهم مخلدا وعلى كراس بعجلات، فقد اهتموا بموضوع آخر هو “الهجرة”. وعلى ذمة غوغل فقد اهتم اللبنانيون بكائن بعيد كليا عن هذه القصص اسمه “هيفاء وهبي”.

وقد سألني مرة فنان شهير ومصمّم حملات إعلانية “ما هي برأيك اهتمامات الشباب؟”، وكان يعدّ حينها حملة إعلانات تروّج لعلامة تجارية لساعات يد. فقلت “الرياضة”. قال “أنت ذو طراز قديم. الشباب يهتمون بالجنس”. وقالها بالإنكليزية، فصعقت لجرأته. وتلفتُّ خشية أن يسمعه أحد. ولكنه أضاف “ويهتمون بالثورة. ويهتمون بالمال ويهتمون بالملابس ويهتمون بالدين”. قال الكلمة الأخيرة وكأنه يسمعها لأول مرة. والتمعت عيناه. ثم كرّر “نعم. الدين. أفضل مفتاح لهذه الحملة. لتكن الحملة الإعلانية لساعاتنا عن مواقيت الصلاة”. فقلت “وماذا عن الثورة والمال والـ…؟” قال “تلك أمور ثانوية في البزنس”.

أما أنا فقد تملكتني هواية قديمة تمثّلت بعدّ أعمدة الهاتف على جانبي طرقات السفر. أعدّ معها المسافات التي نقطعها من أعمارنا. وكان ما نسميه “التّيل” ينحني بأقواس جميلة بين العمود والآخر صانعا موجات تلو الأخرى تشبه اللانهاية، لكن حتى هذه الهواية الشحيحة تلاشت مع طائرات مثل طائرة المطرب الشعبي الخائف من الطيران، إذ من أين لنافذات الطائرات عواميد مثل تلك العواميد وذلك “التّيل” القديم؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر