الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

نفس شريرة

أحيانا، يكون الدرس الذي نتلقاه في الحياة مؤلما جدا، ولكنه يجب أن يعلمنا كيف نلقي نظرة متعددة الزوايا على حياتنا وعلاقاتنا، وعلينا أن نستفيد منه من أجل المضي قدما.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/10/07، العدد: 10417، ص(21)]

بداخل جميع البشر نفس شريرة، البعض يستطيع ترويضها ويتغلب على نوازعها، لأن لديه ضميرا حيّا يتيح له الرقابة على جميع أقواله وأفعاله، ويسمح له بتحليل نتائج سلوكياته وتصرفاته، وكذلك يمكنه من وضع حدود فاصلة بين الأفعال الخيرة والسيئة.

والبعض الآخر لا يستطيع كبح جماح نفسه الأمارة بالسوء، فينفث ما بداخله من شرور على كل من حوله، ولا يتورع حتى عن إيذاء أقرب الناس إليه، من دون أن يساوره أي قلق إزاء ما ارتكبه من أخطاء، أو يتحمل عناء تأنيب الضمير.

وهناك العديد من القصص المخزية والمؤلمة في نفس الوقت عن أصحاب الضمير الميت، الذين يستمدون إحساسهم بالنشوة من طعن الآخرين في ظهورهم والإساءة إليهم في غيابهم أو في حضورهم.

وقد حدثتني إحدى الصديقات مؤخرا عن تجربتها المريرة مع الوحدة، ولم تستطع كتم زفرات همها الجاثم على صدرها، وهي تقص عليّ خيانة زوجها مع أقرب صديقاتها، وانساقت في سرد قصتها بحسرة مريرة كانت بادية على ملامحها، وفي حشرجة صوتها، عن صديقتها التي وصفتها بـ”الذئب في ثوب الحمل”.

كانت تعتبر تلك الصديقة خير سند لها في الحياة بعد موت والديها، لكن الصديقة لم تجد غير زوج رفيقتها التي وثقت فيها وآمنتها على بيتها وأسررها لتسرقه منها، وتسرق معه جميع آمالها وأحلامها.

وفي غفلة من قلبها الطيب الذي لم يكن يرى حقيقة صديقتها، انساق الزوج وراء براثن الخيانة، من دون أن يأبه لمشاعر المرأة التي أحبته بكل جوارحها، وعاهدها على الصدق والوفاء، فكان أول من سدد لها طعنة في قلبها، ودون أن يحفل بسنوات طويلة من العشرة.

ومما زاد من شعورها بالمرارة، أنها لم تأبه لتحذيرات المقربين منها، لأن ثقتها وحبها لزوجها وصديقتها كانا أكبر من أن يجعلانها تحترز منهما أو تشكك في سلوكهما، ولم تصدق ما قيل عنهما، بل اعتبرت أن كل الأقاويل مجرد إشاعات ومن كيد الحاسدين، الذين يريدون أن يفرقوا بينها وبين أعز الناس لديها. ولكنها استفاقت فجأة لتجد نفسها وحيدة، يحدوها شعور بالتوجس من جميع الناس، وآلام مبرحة في قلبها الذي لم يقو على تحمل الصدمة.

وبعد سنوات طويلة من الشعور بخيبة الأمل، حاولت أن ترمم حياتها من جديد، وتبحث عن شريك آخر يؤنس وحدتها، لكنها وجدت أن سنوات العمر الجميل قد أفلتت وأخذت معها نظارة الشباب، وكل ما تبقّى لديها ملامح باهتة وشعور قوي بالندم قد تغلب على كل الأحاسيس الإيجابية بداخلها.

للأسف هناك الكثيرون من أمثالها ممن يبنون صروحا خرافية عن علاقاتهم الزوجية، وعن صداقاتهم، إلا أن الصرح المتماسك والمنيع قد يكون في واقع الأمر أكثر هشاشة مما نتصور. وعلى أي حال فصديقتها التي حلت محلها في قلب زوجها لن تكون في موقع أفضل منها، بل على العكس ستكون الخاسرة باعتبارها ربطت علاقة مع رجل ربما يكون له تاريخ مشهود بالخيانة.

أحيانا، يكون الدرس الذي نتلقاه في الحياة مؤلما جدا، ولكنه يجب أن يعلمنا كيف نلقي نظرة متعددة الزوايا على حياتنا وعلاقاتنا، وعلينا أن نستفيد منه من أجل المضي قدما، لأن الحياة لا تتوقف عند أحد. والنكسات التي تحدث في الحياة لا تعني نهاية الدنيا، بل يجب أن تكون حافزا لنا على النهوض من جديد، حتى وإن كان حجم الخسارة باهظا.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر