الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

من الدولة الحامية إلى الجغرافيا المحمية

تصيير الدول الحامية إلى جغرافيات محمية يتقاتل داخلها الفاعلون الإقليميون، مقولة قد تنسحب أيضا على ليبيا واليمن، حيث تستحيل التسوية السياسية في اليمن وليبيا بالأساس تسوية بين الأطراف الإقليمية المتدخلة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/10/13، العدد: 10423، ص(9)]

يفصح الإصرار التركي على التواجد العسكري شمال العراق، واستمرار انتشار قوات الجيش التركي في قاعدتين حربيتين في كردستان العراق، عن استهتار بمفهوم السيادة وعن تجاوز لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة جارة.

كما يؤشر الاتفاق الروسي – السوري الأخير حيال القاعدة العسكرية “حميميم” على تدهور بيّن وتشويه كبير في مفهوم القيادة والسيادة الجغرافية والسياسية والإستراتيجية، تحولت بمقتضاه العديد من الدول العربية إلى جغرافيات محميّة من قبل التواجد العسكري الأجنبي.

أي حفرية سياسية تحليلية لبنود الاتفاق الروسي السوري الذي تمّت الموافقة عليه الجمعة الماضي من قبل مجلس الدوما، تحيل إلى منطق العلوية الروسية على الطرف السوري، وتكشف عن “انهزامية” سياسية تبديها دمشق في كلّ ما ترغب به موسكو.

بنود الاتفاق تسمح بمنظومة من الحقوق للموظفين الروس غير منطقية وغير معقولة، على غرار الحقّ في إدخال وإخراج كلّ ما تستحقّ القاعدة الجوية وعدم المرور بالإجراءات الجمركية والديوانية، إضافة إلى الحصانة القضائية والسياسية والتاريخية التامة للجنود الروس خلال أدائهم مهامهم في الشام، دون غضّ النظر عن مجانية استخدام القاعدة العسكرية الجوية وعن تمركزها إلى فترة غير محدودة في سوريا، ومنع أي ممثل للدولة السورية من دخول القاعدة الجوية دون إذن كتابي من القيادة الروسية في “حميميم”.

أيّا كان الموقف من المشهدية السورية النازفة لنصف عقد من الزمان، وأيا كان التموقع السياسي من أطراف الأزمة، فإنّ الانخراط السوري في منظومة القبول بـ”مأسسة وتقنين التدخل الروسي” بهذا الشكل غير مقبول عربيا وعروبيا أيضا.

ولئن كان البعض يقبل بالتواجد الروسي في سوريا من منطلق أنّ دمشق استدعت في وقت سابق موسكو للتمركز العسكري في الساحل السوري دفعا لخطر الدواعش ودرءا للمخططات التركية في الشمال وفق الشروط السورية، فإنّ التموقع الروسي الحالي في طرطوس واللاذقية يتمّ وفق الشروط والمبتغى والمرمى الروسي وليس السوري، وتقريبا فإنّ كافة بنود الاتفاق تنضح عن شبه غياب تامّ لدمشق ولشروطها، دولة ودورا.

تقريبا بنفس مقاربة تحويل الدولة الحامية لحدودها وجغرافيتها، إلى جغرافيا محمية من الأجنبي، تستبيح أنقرة الجزء الشمالي من العراق مؤسسة صنيعها العسكري على معطى غياب الدولة العراقية على الشريط بين تركيا وكردستان العراق وفق تصريح رئيس الوزراء التركي بنعلي يلدريم.

وهو تصريح مجانب للصواب والمنطق، ذلك أنّ استعصاء انسحاب السيادة العسكرية من كامل الجغرافيا الترابية لا يعني تحويل الجزء الجغرافي إلى مجال توسّع إقليمي، ولا يفضي بأيّ حال من الأحوال إلى تجاوز السلطة المركزيّة في بغداد.

ولئن كانت أنقرة استباحت شمال سوريا والعراق بحافز الدفاع عن الأمن القومي التركي من الجماعات الإرهابية والمشاركة في معركة الموصل والرقة، فإنّ هذه المسلكية السياسية تكشف عن استبطان تركي للمجال المكاني في الشرق الأوسط على أنّه جغرافيات للتمدّد والتوسّع وفضاءات مستدرّة للحماية، وليست جغرافيا تنتمي وتنضوي صلب مقومات السيادة لدول سيدة.

وهو ما قد يفسّر المكابرة التركية حيال الرفض العراقي الرسمي والعلني للوجود التركي في الشمال، فلئن باتت الدولة الحامية لحدودها جغرافيا محميّة من كافة الأطراف الإقليمية الأخرى، فإنّ مفهوم السيادة يتلاشى ويضمحل ويصير نوعا من ازدواجية المعايير إزاء المتدخلين في الملعبين العراقي والسوري.

المفارقة في الشرق الأوسط أنّ ذات اللاعب التركي الذي يتدخّل في العراق تكريسا لمعادلة كردستان العراق بقيادة حلفاء أنقرة وعلى رأسهم مسعود بارزاني من أجل تأمين عقود النفط والغاز الطبيعي مع أربيل وليس مع بغداد، هو ذاته الذي ينخرط في الملعب السوري اليوم في سبيل الحيلولة دون قيام دولة كردية في القامشلي تستشري معها عدوى الانفصال في تركيا، لا سيما وأنّ نفس القوات الكردية التركية المشاركة في القوات الديمقراطية، هي ذاتها المتمركزة غرب الأناضول وجنوب ديار بكر.

تصيير الدول الحامية إلى جغرافيات محميّة يتقاتل داخلها الفاعلون واللاعبون الإقليميون، مقولة قد تنسحب اليوم أيضا على ليبيا واليمن، حيث تستحيل التسوية السياسية في اليمن وليبيا بالأساس تسوية بين الأطراف الإقليمية المتدخلة، وتقاسما للنفوذ في جغرافيا بلا دولة ولا أصحاب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر