الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

أمل كاذب

مثلها يوجد الكثير من المطلقات اللاتي ينظرن للحياة من فوهة معتمة، ويوهمن أنفسهن بعودة الزوج الذي تلبدت مشاعره وماتت أحاسيسه تجاهن، وتكمن السخرية في أنهن لا يخدعن سوى أنفسهن، ومع ذلك يواصلن خداعها.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/10/14، العدد: 10424، ص(21)]

قرار الطلاق بعد سنوات طويلة من العشرة مهما كانت أسبابه، ليس بالأمر الهين على طرفي العلاقة الزوجية، وتقبل الوضع الجديد يختلف من شخص إلى آخر، فالبعض يحتاج إلى عدة أشهر لنسيان الماضي وإعادة ترميم حياته، فيما يحتاج البعض الآخر إلى سنوات طويلة، ليدرك أنه خسر شريكه إلى الأبد، ولا أمل في العودة إليه من جديد.

والمرأة بطبيعتها السيكولوجية أكثر تأثرا بالطلاق من الرجل، وقد تعتريها خيبة أمل كبيرة عندما ينفصل عنها زوجها بخياره وليس بخيارها، ووقع الصدمة عليها أشدّ حدة عندما تكون في مرحلة خريف العمر، ففي هذه السن المرتبطة بالتغيرات الهرمونية الكثيرة في جسدها، تكون المرأة عرضة للإصابة بالاكتئاب، ولذلك فهي في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الإحاطة النفسية والدعم العاطفي من الأبناء والأهل والأصدقاء حتى تتجاوز أزمة منتصف العمر وصدمة الطلاق.

وفي الغالب تؤثر الظروف المحيطة بالمرأة على طول فترة الأزمة وحدتها، فإذا كان هناك أمل في عودة الطرفين إلى بعضهما فقد تكون الصدمة أخف ضررا. ولكن وقعها يكون أشد وطأة عندما ينعدم هذا الأمل، وخاصة إذا كانت المرأة تعيش في مجتمع مليء بالأحكام المسبقة والمتحيزة ضد المرأة المطلقة، مما يدفعها إلى الشعور باليأس والعزلة، ويزداد الأمر صعوبة عندما تكرس المرأة كل حياتها لبيتها وزوجها وتقل اتصالاتها بأصدقائها، لذا ينتابها شعور مرير بأن الطلاق دمر حياتها تماماً، بل إن البعض من المطلقات يفكرن في الانتحار، لأنهن يشعرن بأن حياتهن من دون الزوج أصبحت بلا معنى.

في الحقيقة، لم أجد تعبيرا أكثر بلاغة من مقولة الفيلسوف الأميركي مايكل نوفاك “لا حدود معروفة لقدرة الإنسان على خداع نفسه”، لأصف بها حالة امرأة إنكليزية مطلقة تعرفت عليها بالمسرح القريب من محل سكناي بلندن.

انفصلت هذه المرأة عن زوجها منذ أكثر من عشرين عاما، إلا أنها ترفض أن تكون زوجة لرجل آخر غير زوجها السابق، رغم أن المتوددين إليها والراغبين في وصلها كثر، إنها تحمل بداخلها وهما راسخا بأن طليقها سيعود إليها مهما طال بعاده، في حين أنه رمى كل الماضي خلف ظهره وتزوج من عارضة أزياء في عمر ابنته، ولم يعد يكترث لحب مطلقته المعلن، ولا لما تشعر به تجاهه كما يقول أصدقاؤها الذين يعرفونها عن كثب.

ومثلها يوجد الكثير من المطلقات اللاتي ينظرن للحياة من فوهة معتمة، ويوهمن أنفسهن بعودة الزوج الذي تلبدت مشاعره وماتت أحاسيسه تجاهن، وتكمن السخرية في أنهن لا يخدعن سوى أنفسهن، ومع ذلك يواصلن خداعها، ولديهن بداخلهن أكثر من حجة تجعلهن يرفضن الاعتراف بحقيقة أنهن أصبحن شيئا من الماضي.

وفي جميع الأحوال، لا يمكن أن يساعدهن أي شيء على إبطال الآثار طويلة المدى الناجمة عن فراق الشريك، سوى الاعتراف بما تتضمنه مراحل الحياة من صعود وهبوط وتقبل الواقع على شاكلته، حتى يكون بمقدورهن على الأقل جعل حياتهن رحلة مبهجة رغم المنغصات.

مهما كانت ضربات القدر أحيانا مؤلمة، فالزمن كفيل بأن يخفف آلامها ويشفي جراحها الغائرة، وهناك دائما في الصدر أنفاس جديدة وحياة أخرى في جانب آخر من جوانب حياتنا، ونحن نرفض أن نعيشها، وهناك الكثير من البدائل التي يمكن أن تجعلنا نرى الحياة من جانبها المشرق.

وخلاصة القول “عندما يُغلق باب السعادة، يُفتح آخر، ولكن في الكثير من الأحيان ننظر طويلا إلى الأبواب المغلقة بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت لنا”، هذه مقولة لصاحبة الإرادة القوية الكاتبة الأميركية الشهيرة هيلين كيلر، التي استطاعت بنور الأمل الساطع بداخلها أن تتغلب على ظلام العيون وصمم الآذان، وتستمتع بجمال الأشياء من حولها.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر