السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

مكانس الساحرات

الساحرات في أوروبا صبرن طويلا، حتى تغيرت الأحوال. وأصبحت بإمكانهن قيادة المجتمع، برجاله ونسائه، بصياديه وطرائده.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/10/14، العدد: 10424، ص(24)]

الأسترالية نيكول كيدمان لعبت دور الساحرة مرتين؛ مرة في فيلم “براكتيكال ماجيك” مع ساندرا بولوك، ومرة في فيلم “بي ويتشيد” مع شيرلي مكلاين. وكانت تطير بمكنستها ليلا، بعد أن أتقنت حركة هزّ الأنف لتؤدي دور ساحرة مزيفة في مسلسل تلفزيوني. ومع ذلك، يقال إن كيدمان مهووسة بالسباحة مع أسماك القرش، لكنها تموت رعبا من الفراشات. وربما كانت لديها قدرات سحرية دون أن تعترف بذلك.

وفي إحدى الولايات الألمانية، لا يزال الأهالي يحتفلون كل عام بذكرى الساحرات اللائي كنّ يطرن أيضا على مكانسهن من قلعة إلى قلعة فوق الغابات. ويتجمع الآلاف في جبال هارتس شمال ألمانيا للاحتفال بما يسمى “ليلة الساحرات”، حين كانت الساحرات يرقصن فوق قمة بروكين أعلى قمم الجبال هناك.

وقد تم الكشف قبل فترة عن وثيقة تؤرخ لوقائع محاكمات لساحرات ما بين عامي 1629 و1630 في منطقة فلامرشايم الألمانية، وفقا لموقع فوكوس الألماني. وفيها قامت كلاوديا كاورتس من إدارة أرشيف ولاية راينلاند بعرض هذه الوثائق على الناس. وتروي الوثائق التي جرى جمعها، أنه كان قد تم إعدام حوالي 60 ألف امرأة في ألمانيا وحدها، بتهمة السحر ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر.

اكتشفت الثقافة الأوروبية تلك الفكرة، لتبرّر بها اضطهاد المرأة على مدى قرون، ولتضع لذلك فلسفة خاصة وكتبا وقواعد لا يستطيع الناس ولا السلطات حيالها فعل أي شيء، سوى الرضوخ لما سمّي حينها “صيد الساحرات”. وكان كتاب “مطرقة الساحرات” هو المرجع المقدس لتلك المطاردات التي لم تكن تنتهي سوى بإبادة الآلاف من النساء بذريعة الاشتباه بكونهن من الساحرات.

وقد اشتهر عدد من صيادي الساحرات في العصور الأوروبية الوسطى، من بينهم بيتر بنسفيلد الذي تباهى بقتل ستة آلاف وخمسمئة ساحرة. أما القاضي الفرنسي هنري بوغيه فقد اصطاد قرابة ستمئة ساحرة فقط، لكن أكثر هؤلاء تفوقا كان المحامي والقانوني البريطاني ماثيو هوبكينز الذي ابتكر طريقة لاكتشاف الساحرات، بأن يربط المرأة ويلقيها في النهر، فإن غرقت فهي بريئة، وإن تمكنت من السباحة إلى سطح الماء فإن هذا يؤكد أنها ساحرة، وبالتالي يتوجب حرقها.

لكن الساحرات في أوروبا صبرن طويلا، حتى تغيرت الأحوال. وأصبحت بإمكانهن قيادة المجتمع، برجاله ونسائه، بصياديه وطرائده. وأخذت ثاتشر وميركل و تيريزا ماي وبعد قليل هيلاري كلينتون يجرفن كل ذلك الجهل بمكانسهن. فمن جهل شيئا عاداه. وهذا ما حصل مع الأوروبيين. فلم يفهموا اختلاف أولئك النسوة. فرموهن بالسحر. ولم يفهموا عقل المرأة فاعتبروا كل ما يصدر عنه سحرا.

عندنا الوضع مختلف قليلا. فلا ضرورة لأن تكون امرأة حتى يجري اتهامك بالسحر. ويمكنك أن تطير على مكنسة أيضا كما قال ابن قدامة في كتابه “المقنع” “وَالسَّاحِرُ الذِي يَركَبُ المكنَسَةَ، فَتَسيرُ به فِي الهَواء ونحوِه. فيكفّر ويُقتل”. فالقليل من الصبر أيها السحرة العرب.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر