السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

توابع الدبلوماسية المصرية.. عن المستشارين الثقافيين

عمر الجهاز الإداري البيروقراطي في مصر يزيد على 46 قرنا، ومن الطرائف أن جمال عبدالناصر اكتشف عام 1955 أن مصر مازالت ترسل الجزية إلى تركيا، رغم إلغاء الخلافة عام 1924.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/10/18، العدد: 10428، ص(9)]

بسبب الإيمايل الذي يتيحه موقع “العرب” الإلكتروني، تلقيت الثلاثاء الماضي رسالة غاضبة، بعد ساعات من نشر مقال “الدبلوماسية المصرية.. مدرسة «كان أبي»”. المرسل لا يعرفني ولا أعرفه، وإن بدا من حسن التنسيق أنه يجيد ترتيب الأمور؛ فالرسالة القصيرة حملت عنوان “الخارجية المصرية وافتراءات سعد القرش”.

توقعت من كلمة “افتراءات” في العنوان أنني سأقرأ مقالا يفنّد أباطيل ويكذّب معلومات، ويحلل وقائع على نحو لا يدركه أمثالي من غير الدبلوماسيين، رغم استعانتي بمذكرات كتبها من شغلوا قمة الهرم الدبلوماسي، إلا أن الرسالة (41 كلمة) بدأت بصيغة الجمع الدالة على الاحترام، وبعد كلمات رمتني بدائها وانسلت، وهذا نصها “قرأت مقالكم بما فيه من مغالطات تاريخية وجهالة واضحة آخرها نجاة بني إسرائيل من فرعون والتي تنكرها علما بأنها مذكورة في القرآن بل نصوم نحن المسلمون (كذا) يوم عاشوراء وهو يوم يوافق نجاة سيدنا موسى من فرعون وصام سيدنا محمد هذا اليوم”. واحتراما للخصوصية، لن أنشر اسم كاتبها “الدكتور”، وهو في مصر لقب حمال أوجه، فلا تعرف هل صاحبه طبيب؟ أم حاصل على درجة الدكتوراه في تخصص ما؟

تجاهل “الدكتور” احتشاد المقال بمراجع ومقالات وشهادات ومواقف قريبة العهد تابعناها بأسى، وتؤكد تراجع مستوى الأداء الدبلوماسي، وتوقف أمام كلمتي “أسطورة الخروج”، وأسقط ما يليهما مباشرة إذ قلت إنها عقيدة دينية، ولكنها غير ثابتة علميا، ولا يؤيدها دليل تاريخي أو أثري. ولم يشعر “الدكتور” بالغيرة على بلاده حين تعمد شمعون بيريز إهانة تاريخها في حضور أول سفير مصري لدى العدو، وكان على السفير أن يغادر بيت بيريز، بعد أن يعلمه درسا بسيطا في التاريخ، أن اضطهاد اليهود في فجر تاريخهم، قبل أن تنزل على موسى الوصايا العشر لا يمنحهم حق البغي والعدوان والثأر من شعب بريء لم يسبب لهم أي أذى.

ولا أنوي اليوم مناقشة قضية الخروج، وأكتفي بالقول إنني أفهمها في ضوء آية “لقد كان في قصصهم عبرة”، للتدبر والاعتبار، لا للاستيثاق التاريخي، وإلا أخبرنا القرآن باسم “فرعون موسى”، وأراح الكثيرين من عناء البحث. وتاريخيا وعلميا وأثريا لم يحمل ملك في مصر القديمة لقب “فرعون” على الإطلاق. أما الزيارة الأسطورية للنبي إبراهيم لمصر فسجلها العهد القديم ولم يذكرها القرآن. ولم يشهد تشييد الأهرام استعباد مصريين أو غيرهم، ولم يكن بنو إسرائيل ضمن أولئك الأغيار؛ لأن الأهرام بنيت خلال عصر الأسرة الرابعة (2613ـ 2494 قبل الميلاد)، قبل لجوء يعقوب (إسرائيل) وبنيه إلى مصر، وقبل ميلاد جده أبي الأنبياء. ويبدو أن أول سفير عربي في إسرائيل فاتته هذه التفاصيل، كما يفوت المستشارين الثقافيين في أغلب السفارات المصرية أنهم يمثلون بلادهم كمستشارين ثقافيين لا موظفين.

لكلمة “موظف” دلالة غير محببة في مصر. إذا أطلقت على أحد (دبلوماسي، أستاذ جامعي، صحافي، طبيب…)، فهي تعني شيئا من البلادة، والكثير من الرتابة، والعجز عن تجويد الأداء، وفقدان القلق الإيجابي الدافع إلى تنمية المهارات. وتملك مصر واحدا من أكثر جيوش “الموظفين” عددا، وتضيق المؤسسات الحكومية بأكبر نسبة “عاملين” لا يعملون، ولا يعرفون مهام الوظائف التي لا يمارسونها. كما تملك مصر أيضا أكبر عدد من السفارات (نحو 170 سفارة)، في حين تكتفي الولايات المتحدة بنحو 90 سفارة. وبعد ثورة 25 يناير 2011 أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون التنمية السياسية والتحول الديمقراطي عن الشروع في خطة لهيكلة وزارة الخارجية، لتقليل عدد السفارات، إلا أن البيروقراطية ظلت هي الأقوى.

يزيد عمر الجهاز الإداري البيروقراطي في مصر على 46 قرنا، ومن الطرائف أن جمال عبدالناصر اكتشف عام 1955 أن مصر مازالت ترسل الجزية إلى تركيا، رغم إلغاء الخلافة عام 1924، وانتهاء علاقة مصر رسميا بدولة الخلافة العثمانية عام 1914 بإعلان الحماية البريطانية على البلاد. ومن الميراث البيروقراطي أن يكون منصب المستشار الثقافي في السفارات المصرية تابعا لوزارة التعليم العالي، ولا علاقة له بوزارة الثقافة وفقا لطبيعة العمل، أو وزارة الخارجية بحكم البروتوكول.

كان اختيار المستشارين الثقافيين للسفارات المصرية مسؤولية وزارة المعارف العمومية، وهي وزارة عريقة من ثماني وزارات شكلت ملامح النظام الوزاري عام 1878، وأول وزرائها أبوالتعليم المصري علي مبارك. واستحدثت وزارة الثقافة بعد ثورة يوليو 1952، وبدلا من وزارة المعارف استحدثت وزارة التعليم، وتأرجح التعليم العالي بين حقيبة وزارية كاملة ووزارة دولة، ودمجت أحيانا مع وزارة التعليم (قبل الجامعي). وبحكم البيروقراطية ظلت تبعية المستشارين لوزارة التعليم العالي التي لم يعد وزيرها في ثقل علي مبارك أو طه حسين أو محمد عوض محمد، وإنما من يضمن الحاكم ولاءه. ولا أذكر من وزرائها في العقود الأخيرة إلا أستاذ القانون الدولي مفيد شهاب الذي جاءها من رئاسة جامعة القاهرة، وغادرها وزيرا للشؤون القانونية والمجالس النيابية قبل خلع حسني مبارك مباشرة، كما كان الأمين العام المساعد للحزب الوطني للشؤون النيابية.

شهاب رمز الخلود السياسي في مصر المعاصرة. لم يقترف خطأ الاختلاف مع سلطة قائمة. في شبابه “الناصري” كان من كوادر منظمة “الشباب الاشتراكي”، ثم ضبط الإيقاع على موجة أنور السادات، وتحت حكم مبارك حقق قفزات وزارية لم تكن لتنتهي إلا ثورة شعبية. ولم يكن ليظهر من جديد إلا بانتكاسة، إذ تم جلبه للتدليل على أن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين ليستا مصريتين، فأفتى الرجل الذي أجبرته ثورة 25 يناير على الصمت كما أرادت السلطة، ولو طلبت إليه غدا تقديم فتوى مضادة لفعل، وبالكفاءة نفسها أيضا، في أندر تمثيلات الموظف المتماهي مع السلطة أيا كانت.

فماذا ننتظر ممن يمثلون الثقافة المصرية في الخارج؟

زرت الهند بضع مرات، وكلما ذكرت مصر، أسمع “نعم، ناصر”. وبعد عرض فيلم “باب الحديد” كان البعض يردد “Oh, Cairo Station” وفي كل زيارة أستحضر صلاح عبدالصبور، الوحيد الذي أعرف أنه عمل مستشارا ثقافيا في الهند. وحاولت تذكر جيش المستشارين فأسعفتني الذاكرة بعدد قليل، منهم أستاذ الفلسفة محمد عبدالهادي أبوريدة في أسبانيا، وأمثال أبوريدة يضيفون للمنصب؛ لأنهم أكبر منه. أما صاحبنا المستشار في الهند فكان مثالا للموظف الحريص على ارتداء الزي الرسمي ولو على حمام السباحة، ولا يعنيه التفاعل مع بلد نموذج للثراء الإنساني، والتعايش المتجاوز للغات والأديان. آنذاك كان رئيس الدولة مسلما، ورئيس الوزراء من السيخ، ولكن المستشار نصحني “تذكر أنهم يعبدون البقر!”. ولم يكن الظرف يسمح بأن أشرح له أنهم لا يعتقدون في قدرة البقر على أن يحيي ويميت، وأن الربة “حتحور” التي تحظى بمعبد “دندرة” اتخذت هيئة البقرة في مصر القديمة، وأن امتهان العقائد يرتد إليك، ولو بإشارة إلى الطواف حول بناء من حجر.

يحرص المستشار “الثقافي” على وظيفة تؤمن مستقبله المادي، لن يخطئ مادام لا يفعل شيئا، ولهذا لم يجرب “موظف” ينتمي إلى سلالة “العائدين من السفارات” أن يكتب مشاهداته، لعل الله يخرج من أصلابهم من يستفيد من تجارب السابقين، فيسعى إلى معرفة، ويطفئ القلق بإنجاز أكثر بقاء من حصد الفلوس.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر