الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

وظيفة النسيان الصحافي

الذاكرة الصحافية اليقظة أصبحت عبئا على السياسي والصحافيون المتيقظون يحفظون للسياسي كل حركة وسكنة ويختزنون تصريحاته ومواقفه وغالبا بالصوت والصورة وياله من عبء ثقيل.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/10/18، العدد: 10428، ص(17)]

دفاتر السياسة تغص بالأحداث، الكلّ يترقب الخبر بعد الخبر في طوفان يومي لا ينتهي. ستتعجب من مجهود أولئك المحررين والمحللين الصامدين أمام الشاشات وأيضا سماعات الأذن لا تفارقهم، يرصدون فضائيات ومحطات إذاعية وعليهم أن يغربلوا كل هذا الكم الكبير من الأخبار ويأتوك بالأخبار من لم تزوّدِ.

لكن السياسيين المناورين بإمكانهم أن يقلبوا المعادلة بكل بساطة، تتحكم بهم البراغماتية حينا ووصايا ميكافيلي حينا آخر، فيغيرون جلودهم أو تحالفاتهم أو ينقلبون على تصريحاتهم ومواقفهم السابقة.

السياسي لن يندم على قرار يقلب المعادلات فالغاية تبرر الوسيلة، بإمكانه أن ينسى أو يتناسى وبإمكانه ألا يسمع انتقادات خصومه سواء من المعارضة أو زعامات دول أخرى. بإمكان السياسي أيضا أن يتراجع عن مواقفه بحسب مقتضيات المصالح وبحسب الأزمات والتحوّلات.

الصحافيون والمحررون المثابرون يقتفون آثار كل هذا وغيره ويوثّقون ما كان وما آلت إليه الأمور في آن معا.

سيتحولون فجأة إلى شهود لأنهم راقبوا ورصدوا كل شيء، لكن تلك ليست وظيفتهم الأساسية وإلا فقدوا عنصر الاستمرارية.

ما بين مهمة الصحافي ووظيفة السياسي هنالك جمهور يرصد ما يجري، فيما الصحافي يسيطر عليه هاجس المصداقية وأهمية الحفاظ عليها.

في هذا الزمن ووسط شتّى التحوّلات هل بإمكان الصحافي أن يتخلى عن أرشيفه وما سطره قبل ردح من الزمن؟ هنا في دوامة الانتخابات الأميركية وسجال المرشحين، بإمكان تسجيلات صوتية أن تفتح بابا من أبواب جهنم على ترامب في باب نظرته للمرأة ليتبع ذلك سيل هادر من الهجمات النسائية تطاله من كل جهة.

ترى هل كان على الصحافي أن يؤدي وظيفة النسيان بكل حذافيرها لكي ينقذ ترامب من مأزقه؟ أم تراها صارت وظيفة أساسية بفضل القدرات الرقمية الهائلة لتخزين المعلومات؟

الذاكرة الصحافية اليقظة أصبحت عبئا على السياسي والصحافيون المتيقظون يحفظون للسياسي كل حركة وسكنة ويختزنون تصريحاته ومواقفه وغالبا بالصوت والصورة وياله من عبء ثقيل.

لعل هذا الأمر يحيلنا إلى إشكالية أخرى تتعلق بذلك النوع من البلبلة التي يشيعها السياسي في مقابل ثبات الصحافي في تتبع الحقائق والمجريات، وهو أمر سرعان ما يتكشف لدى جمهور عريض يراهن على مصداقية الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية في التثبت من الحقائق وتثبيتها وتسليط الضوء على المواقف والتحولات الكبرى التي تطرأ على مسيرة السياسي، هنا ستحضر في بعض الأحيان الانتهازية السياسية في القفز من الزوارق الغارقة، المراهنة على الحصان الرابح في السباق كمثل المراهنة على زعماء أحزاب وتيارات من المحتمل أن يحصدوا الأصوات، هو ليس إلا مثال من امثلة شتى تستدعي استحضار تلك الذاكرة الصحافية اليقظة التي تتبع تغيير الساسة لثيابهم وولاءاتهم.

السياسي ليس سعيدا بكل هذا ويتوق دائما إلى أن يرى الصحافي وقد اتخذ لنفسه وظيفة النسيان لكي ينقذ نفسه من مواقف لا يحسد عليها.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر