الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

فوطة الحمام التركية

بعد خروج العثمانيين، مارست المجر أسلوبها الخاص في ابتلاع وهضم ما خلفه جيش الغزاة واجتراره على هيئة نمط (ستايل) هجين مجري الهوية.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/10/20، العدد: 10430، ص(24)]

في يومي الثاني في مدينة بودابيست عاصمة هنغاريا (المجر)، دخلت حمام رودوس التاريخي المقام على ينابيع المياه المعدنية الحرارية التي تخرج من باطن الأرض. من الخارج تبدو بناية الحمام المقامة على ضفة نهر الدانوب كغيرها من مباني بودابيست الكلاسيكية القديمة التي يعود تصميمها إلى فترة العصور الوسطى. بهو البناء من الداخل حديث جدا، وكذلك غرف تغيير الملابس، فحتى الآن، وفي هذا الجزء من المبنى، أنت في مكان ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين، وحتى هذه اللحظة لا يوجد هناك أي شيء يختلف عن أي ناد رياضي حديث في أي مكان من العالم.

بعدها تمشي باتجاه برك المياه المعدنية، تدخل في نفق ضيق طوله ثلاثة أمتار، فجأة تجد نفسك أمام بركة ثُمانيّة الأضلاع، الضوء خافت وكأنك في كهف مضاء بالشموع أو المشاعل.

وأنا أخطو نحو بركة الماء الساخن، بقيت عيني على الأرض أمامي كي لا أرتطم بأحد، وعلى البخار المتصاعد من الماء، وأنفي يتحسس رائحة الماء الغريبة التي تحتوي على مواد قليلة الإشعاع ومعادن ينفثها بطن أمنا الأرض، مع كل خطوة، شعرت وكأنني أعود إلى زمن سحيق عندما كان سطح كوكب الأرض يعج بهذه الينابيع التي وفرت المكونات الأولية لنشوء أول الكائنات، بركة البيئة البدائية الأولى أو صحن حساء الحياة الأول.

غمرت نفسي بالماء الساخن حتى عنقي، بعد دقائق قليلة حل في جسدي الاسترخاء واعتادت عيناي على الضوء الخافت فبدأت أرى معالم المكان بوضوح، قبة عالية كبيرة تحتضن المكان، مرفوعة على أقواس ضخمة وأعمدة حجرية. شعرت وكأنني في أسطنبول أو في حي الياسمين في مدينة نابلس في فلسطين.

لوحة على الجدار مكتوب عليها أن سوكولو مصطفى باشا حاكم ولاية بودا العثماني كان يستحم هنا، فهذا الحمام كالعديد من حمامات بودابيست بني في فترة احتلال العثمانيين للمجر في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

في عام 1526، تحجج الأتراك العثمانيين بما اعتبروه “إهانة دبلوماسية”، لكي يشنوا هجوما عسكريا سحق مملكة المجر، تمكنوا منها بسهولة لأنها كانت منهكة جدا بعد انتفاضات وثورة الفلاحين على الملك.

جلست أتأمل المشهد والمكان التاريخي مسترجعا ما قرأته سابقا عن فترة حكم العثمانيين للمجر، فجأة تذكرت رجب طيب أردوغان الرئيس التركي الحالي وهجومه الشخصي العنيف على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

أردوغان تحجج بما اعتبره “إهانة دبلوماسية” من قبل العبادي، وأكد على أن بلاده مصرة على التواجد العسكري في العراق والمشاركة في معركة الموصل، وفجأة انتشرت خرائط ومقالات تدعي أن الموصل جزء من تركيا، دراما عثمانية حديثة تستغل وضع العراق الحالي المنهك، علينا أن نشاهد وننتظر فصول المسرحية.

فلاحو المجر وثورتهم التي أنهكت البلد وسهلت احتلاله، تركوا قراهم ومدنهم وذابوا في الغابات والبراري وبين المستنقعات، شكلوا فرقا وعصابات مقاومة شعبية وشنوا حربا فدائية لأكثر من قرن، حولت المجر إلى جحيم استنزف طاقات الإمبراطورية العثمانية.

بعد خروج العثمانيين، مارست المجر أسلوبها الخاص في ابتلاع وهضم ما خلفه جيش الغزاة واجتراره على هيئة نمط (ستايل) هجين مجري الهوية. فالبناء القديم بحجارته العتيقة تم تغليفه من الخارج بكسوة أوروبية، لا وجود لأي من طقوس الحمام التركي سوى فوطة القماش الرقيقة التي تشتهر بها الحمامات التركية والتي تعطى لزوار الحمام لكي يستروا بها عوراتهم.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر