الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

أحفاد الطائفية لا يعترفون بالمزاج الباريسي في الموصل

مخاوف المجتمع الدولي كانت تؤكدها صرخات أهل نينوى الذين تقصف أحياؤهم السكنية عشوائيا من ميليشيات الحشد الشعبي المتمركزة على تخوم الموصل.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/10/22، العدد: 10432، ص(8)]

وزير خارجية العراق إبراهيم الجعفري، عضو حزب الدعوة الحاكم، الراعي الرسمي للحشد الشعبي، يلقي كلمته في باريس بحضور شخصيات من 20 دولة حضرت لمناقشة مستقبل الموصل والعراق بعد طرد تنظيم داعش منها، مؤكدا أن الحشد لا يشكل قلقا بالنسبة إلى الدولة العراقية والعراقيين لأنه، أي الحشد، جزء من منظومة الجيش الذي تقع مسؤولية حركته وصلاحياته تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وهو عضو أيضا في حزب الدعوة.

دور الحشد في معارك طرد داعش من المدن، دافع عنه وزير الخارجية وعن مشاركته في معركة الموصل بدعم حكومي، وطمأن الحاضرين برومانسية بالغة للجوانب النبيلة في نوايا تشكيل الحشد الشعبي لإنقاذ العراق من الإرهاب وإعادة الأمن ومساعدة الناس في الرجوع إلى مناطقهم آمنين بعد تحرير المدن، وأضاف أن الحشد بعد انتهاء مهماته سيعود أفراده إلى حياتهم الطبيعية وأعمالهم ووظائفهم السابقة، ومن يرغب منهم بالانضمام إلى الجيش الوطني سيتم زجه في الصنوف المختلفة.

فكرة المؤتمر، الإعداد للمساهمة في إعمار البنى التحتية لمدينة الموصل المدمرة بفعل سنتين ونصف السنة من ممارسات الإرهاب والضربات الجوية لقوات التحالف؛ استغرق الحديث في موضوع الإعمار مدة قليلة جدا من حيز المؤتمر، لأن الجوانب الفنية وحجمها المالي كانا معدين مسبقا.

أما الوقت الأكبر فكـان تعبيرا عـن مستوى مناسيب قلق المجتمع الدولي تجاه مشاركة الحشد الشعبي في معركة الموصل التي أخذت مديات واسعة في السياسة الدولية والإعلام والاقتصاد والتسليح. الخشية تكمن في وقائع التجارب الميدانية ووثائق المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لانتهاكات الحشد الشعبي الذي تأسس بعد دخول داعش للموصل واحتلالها في ظروف معروفة، وهي مثار شك منطقي أثبتته سرعة تشكيل الحشد بالفتوى الطائفية التي دفع إليها رئيس الوزراء حينها نوري المالكي ولقيت تأييدا واستجابة سريعة بما يثير الأسئلة عن حلقات أخرجها المالكي بتتابع واستمرارية كانت بدايتها قمع التظاهرات ومذبحة الحويجة وفض الاعتصامات المطالبة بحقوق مشروعة، ليختتم الجزء الأول من المسلسل الطويل بتقسيم المجتمـع العراقي إلى أحفـاد الحسـين وأحفاد يزيد وهدد بالانتقام ببحر من الدم.

الجزء الثاني، اغتنام فرصة الإرهاب وهمجية داعش لتسليم الموصل دون قتال يذكر في أكبر إهانة تتعلق بالتسليح النوعي الأميركي للقوات العراقية دون أن يرف للمسؤول الأول في الدولة جفن لما حصل من أبشع جرائم الإنسانية على مر تاريخها، وكانت سببا في تمزيق التعايش المثالي المشهود للموصل ومقترباتها وناسها وأيقونات حضارتها عبر قرون؛ استغل نوري المالكي التهييج الطائفي تمهيدا لفتوى ما يسمى بـ“الجهاد الكفائي” الذي كان إيذانا بتأسيس الحرس الثوري الإيراني فرع العراق وبتسمية مؤقتة، الحشد الشعبي.

بعد فترة وجيزة، ولأن الأصوات ترتفع دائما من الأحزاب والكتل السياسية في البرلمان وما يتردد من أصداء في الإعلام، ورغم أنها لا تمثل عائقا أبدا أمام التوجهات والأهداف المُقرّرة، لكن باستمرار مظلة مشروعية الدولة الحاكمة تكون ملاذا للتخلص من الانتقادات، خاصة في المعايير الدولية، تم استحصال الغطاء القانوني باعتبار حشد الفتوى الطائفي جهة رسمية تتبع التسلسل الإداري لتأمين التجهيزات والتسليح وصرف الرواتب، ومنح صفة أداء الواجب لكل أعماله القتالية التي دافع عنها نوري المالكي وأيضا رئيس الوزراء الحالي الذي جاء نتيجة تسويات سياسية وبموافقة العراب الإيراني.

قبل أيام عاد نوري المالكي إلى منصب الترضية كنائب لرئيس الجمهورية بعد رفض قرار الإقالة من المحكمة الاتحادية، وفي فترة استراحته من وظيفته الرسمية أخرج أجزاء جديدة من مسلسله بترو وحنكة ومباركة الملالي عندما أدار الحشد الشعبي من موقعه كقائد فعلي ومعنوي، وصولا إلى تعميق مسؤوليات الحشد كقوة أو مؤسسة لها من الصلاحيات ما للجيش، وصدحت أصوات متشنجة تدعو إلى تفوق الحشد على المؤسسة العسكرية الرسمية، وهي أيضا مخترقة منذ بداية تشكيل الجيش الجديد بعد الاحتلال، وهذه الأصوات هي إعلان صريح لتأسيس الحرس الثوري العراقي امتدادا وتماهيا مع تجربة الحرس الثوري الإيراني لضمان سطوته على الجيش تحسبا لأي تمرد محتمل، وللمهمة ودون أي إحراج من إعلام أو سيادة دولة أو شعب. تسلم المسؤولية الأولى قاسم سليماني كمستشار رسمي للحكومة وللقائد العام للقوات المسلحة في تصريح لذات وزير الخارجية إبراهيم الجعفري الذي حضر مؤتمر باريس واستعذب التغريد في ميزات الحشد الشعبي ومهماته النبيلة التي يدرك أسرارها كل من له عيون أو آذان تتطلع أو تستمع لما يدور في عالمنا الغريب.

مخاوف وقلق المجتمع الدولي داخل المؤتمر كانت تؤكدها صرخات أهل نينوى الذين تقصف أحياؤهم السكنية عشوائيا من ميليشيات الحشد الشعبي المتمركزة على تخوم الموصل، والعشوائية في القصف أسلوب مجرب في معظم المدن المحاصرة من قبل الميليشيات الطائفية الإيرانية التابعة لقيادة الحرس الثوري إن في العراق أو سوريا؛ حدث ذلك أثناء الاجتماع في باريس وفي الأيام الأولى من معركة الموصل التي يصف نتائجها رئيس الوزراء حيدر العبادي بغير المتوقعة، لسرعة تقدم القطعات في محاولة لتجيير الخطاب الحكومي السياسي لتبرير التضخيم النفسي للقدرات الشخصية الذي يناقض التصريحات الأميركية العسكرية أو الأوروبية المشاركة والمتوازنة في تقريرها العملياتي لتقدم القطعات باتجاه مركز الموصل.

العبادي يتحدث عن ضمان حقوق الإنسان في معركة الموصل، والجعفري، أقصد إبراهيم الجعفري وزير خارجية العراق، يقدم ضمانات حزبه والحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني متعهدا، بثقة، بأن حكومته ونظامه السياسي وحزبه لا علاقة لها بالطائفية والمحاصصة أو بالتهجير والإبادات والإهانات والإذلال وقوائم الموت وإرسال الميليشيات وتجنيد الأطفال للقتال إلى جانب النظام الحاكم في سوريا أو جرائم التطهير العرقي.

لكن ماذا يقول عن قائد ميليشيا لا يعرف مـزاج الحضـور الباريسي ويقـولها “بشجـاعة التعصب” للمذهب ولخامنئي، ويصفع كل دماثة الدبلوماسية وثقافة وزير الخارجية وحقوق إنسان الحزب الحاكم، يقولها كما قالها نوري المالكي في أوج التهييج الانتخابي مستعينا بقوة الحشد البشري في مناطقه الانتخابية متعهدا بالانتقام من أحفاد يزيد؛ المقولة ذاتها في التهييج الطائفي في معركة الموصل والشواهد قادمة ونُذُر التصعيد لاحت في الاستهداف العشوائي للمدنيين والتوجه الحتمي للسيطرة على تلعفر تنفيذا لبرنامج تعبيد طريق إيران – العراق – سوريا – لبنان.

نهاية الحلقات المعروضة، إصدار مذكرة اعتقال لقائد الحشد الوطني لعشائر الموصل بتهمة “التخابر” مع دولة أجنبية، لا يذكرونها بالاسم لأن الدبلوماسية الرومـانسية سيـاسة ثابتة لعمليـة سياسية لا يعيبها أنهـا من صناعـة الاحتـلال الأميركي وأجهزة المخابرات، وتفاخر بتبعيتها للقرار الإيراني ونصائح قاسم سليماني. تهمة تخابر، رسالة ملغمة بروائح نتنة، ستتفجر تباعا ودون توقف مخلفة أمراضا مزمنة مستعصية، لا تقيم وزنا لمزاج باريسي عابر.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر