الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

اللغة والحياة

يفكر الإنسان باللغة ويعبر بها ويستخدمها أداة تواصل مع الآخرين، فكيف والحال كذلك يمكن لنا أن نفكر بلغة، الكثير من مفرداتها ومصطلحاتها غير عربية؟

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/10/25، العدد: 10435، ص(15)]

تطور اللغة في أي مجتمع يرتبط بتطور الحياة الثقافية والعلمية، وهذا التطور هو دليل حيوية، ولذلك فإن مخاطر فشل جميع المحاولات الرسمية والمؤسسات الثقافية لإصدار معاجم جديدة تتناسب مع حاجة أجيالنا الجديدة، هي دليل على وعي قاصر بحاجة اللغة إلى الحياة قبل أي شيء آخر، لكي تواكب التطور العلمي والفكري والاقتصادي والتربوي في العالم.

في جميع عصور النهضة العربية والأوروبية لعبت المعاجم دورا هاما في التأسيس لحركة النهضة، ومع التطور الواسع والكبير الذي شهدته الحضارة والعلوم المعاصرة، ظهرت العشرات من المعاجم المتخصصة في كل ميدان من ميادين المعرفة والعلوم يجري تطويرها لتواكب التطور الذي تشهده هذه العلوم والمعارف.

أما بالنسبة إلينا كعرب فلا نزال نعيش على تراث معجمي يعود إلى المئات من السنين، تحول بعضه إلى متاحف لغوية، بعد أن استنفد الكثير من كلماته قابليته للحياة، وفي أحسن الأحوال نستخدم معاجم تعود إلى بدايات عصر النهضة، بينما توقفت حركة التأليف والتجديد في تسيير طرق التصنيف والبحث فيها، وكأن زمننا العربي توقف عند تلك المرحلة من الزمن!

خلال تلك العقود التي مضت، ظهرت دعوات كثيرة إلى التأليف، وجرت أكثر من محاولة لإصدار معاجم جديدة بطرق سهلة وميسرة، تستجيب للحاجة التي تمليها علينا التطورات المتسارعة للحضارة في العالم، وحاجتنا إلى مواكبة ذلك وتوطينه، خاصة وأن لغتنا أثبتت قدرتها على ذلك، لكن المشكلة هي في غياب الوعي بأهميتها، وهو ما نجده واضحا في غياب الدعم والتمويل لمتابعة المنظمة العربية للعلوم والثقافة لإنجاز مشروعها، بينما يصرف العرب على تظاهرات دعائية أكثر مما يحتاجه مشروع كهذا أو لإصدار موسوعة علمية أو ثقافية.

إن غياب هذا الجهد وإهدار الكفاءات القادرة على إنجاز مثل هذا المشروع سمحا للعشرات من المفردات الأجنبية أن تغزو لغتنا، وتتحول إلى جزء من لغة التداول اليومي في مختلف مجالات الحياة، حتى وجدنا تصاعدا في الجدل الدائر في ما بيننا حول قدرة هذه اللغة على استيعاب علوم العصر وفكره، ما يدلل على حجم المشكلة التي نواجهها سواء على مستوى علاقتنا بهذه اللغة، أو علاقة هذه اللغة بالعلوم والمعارف الجديدة.

يفكر الإنسان باللغة ويعبر بها ويستخدمها أداة تواصل مع الآخرين، فكيف والحال كذلك يمكن لنا أن نفكر بلغة، الكثير من مفرداتها ومصطلحاتها غير عربية؟ وكيف لنا أن نجعل منها لغة حياة وهي متروكة لهذه الفوضى التي تعيشها، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والميديا وسيادة ثقافة الاستهلاك، التي تستجلب معها لغتها وثقافتها أيضا؟ فهل ثمة وقفة مع النفس وسط حالة التداعي التي نعيشها؟

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر