السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

أفكار لئيمة

الناس ليسوا الكائنات الوحيدة التي تعيش وتتنفس وتموت في عالم الإنترنت، بل الأفكار أيضا كائنات، تولد وتموت، تكبر وتصغر، تنتشر وتنحسر.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/10/27، العدد: 10437، ص(24)]

من جماليات وبشاعات عصر التواصل المستمر الذي نعيشه، أننا نستطيع رؤية التغيير، نراه يحدث أمام أعيننا؛ تغيرات بالمفاهيم، بالمعتقدات، بالموضة وبالسلوك.

أغلب الناس لا تلاحظ هذا التغيير، لكن الباحثين والمتمعنين يستطيعون رصدها بسهولة، فالأدوات أصبحت في متناولهم، وثقافة التعبير والنشر والمشاركة المستمرة تمنح الباحث نوافذ لمعرفة ما يدور في صدور الناس وفي المجتمعات.

الناس ليسوا الكائنات الوحيدة التي تعيش وتتنفس وتموت في عالم الإنترنت، بل الأفكار أيضا كائنات، تولد وتموت، تكبر وتصغر، تنتشر وتنحسر.

البعض من الأفكار التي تنتشر فكاهية ومسلية، مثل أغنية “غانغام ستايل” التي انتشرت فايروسيا حتى أنه لم يبق إنسان لم يسمعها، وحتى من لا يستخدم الإنترنت أو يشاهد التلفزيون، سمعها في الشارع، في تاكسي، أو في عرس.

تبدأ الفكرة إما على هيئة فيديو أو نص مكتوب أو صورة. في الدقيقة الواحدة ترفع على يوتيوب كمية هائلة من الفيديوهات، تحتاج إلى أكثر من يومين من الوقت لمشاهدتها، أغلبها لا يحقق أي أثر ولا يحصل على عدد كاف من المشاهدات، ويبقى كذلك لأشهر. وإن كان الفيديو يحتوي على فكرة أو تصرف أو سلوك غير متوقع يصبح قابلا للحياة والانتشار. فجأة يكتشفه أحد الأشخاص المؤثرين، ممن لهم عدد كبير من المتابعين، ويقرر أن يمارس دوره كـ”صانع ذوق”، فينشر الفيديو إما للسخرية منه أو لإظهار الإعجاب. بعد مشاركة “صانع الذوق”، ينتشر الفيديو، أي الفكرة، ويصبح له جمهور ومجتمع خاص من المتحمسين والأنصار، يتحدثون عنه، ويعلقون عليه، ويشاركون به وينشرونه أكثر.

ليس كل الفيديوهات والأفكار تحقق الانتشار السريع الذي حققته “غانغام ستايل”، ولكنها تبقى هناك تتنفس في غياهب الإنترنت، تنتظر وقتها المناسب وتنتظر مخلصها المؤثر وجمهورها.

البعض من الأفكار الآخذة في الانتشار غير بسيطة أو ساذجة، بل ثورية تحدث تغيرات عميقة ولو ببطء وصعوبة. عصر الإنترنت الذي نعيشه، يؤدي إلى ظهور معتقدات بل وديانات جديدة تناسبه.

في الماضي، كان المجتمع بكل قواه يحث الفرد على ممارسة طقوس يومية ودينية كلها مصممة للتعبير عن ارتباط الفرد بقوة كونية عظمى، ولكي يتحدد موقعه المتواضع من هذه القوة الكونية.

قبل عصر الإنترنت، بـ200 عام، حصل تغيير كبير أخذ وقتا طويلا لكي ينتشر، وضع الإنسان الفرد في المركز، وللتعبير عن مركزية الإنسان ذاته في هذا الكون وترسيخ معتقدات جديدة تقول إن كل فرد مهم، وكل من تجربته ورؤيته مهمة وفريدة، كانت الأسرة والمدرسة والوظيفة تشجع وتحث الفرد على اقتناء “مفكرة” يكتب فيها كل ما يخطر بباله وكل ما يحلم به ويخطط له للمستقبل.

والآن في هذا العصر الجديد تضاف طقوس مختلفة تزيح الإنسان الفرد من موقع المركزية، وتجعل منه مجرد عقدة معلوماتية في شبكة وسع العالم؛ واجباته الدينية الجديدة هي كالتالي “سجّل ثم حمّل ثم شارك”، فأي فكرة تخطر ببالك، وأي تجربة تقوم بها، عليك بتسجيلها إما كصوت أو نص مكتوب أو فيديو، واجبك الثاني هو أن تقوم بتحميلها سريعا على أحد المواقع، والواجب الأخير هو أن تشاركها مع أكبر عدد ممكن من الناس.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر