الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

يوفال نوح هراري عالم مستقبليات إسرائيلي يتنبأ بأننا سنقهر الموت قريبا

هراري يعتقد أن المكان الأكثر قداسة الآن على ظهر الكوكب، هو 'وادي السليكون' حيث يطوّر الباحثون هناك 'ديناً تكنولوجياً' سينتصر على الموت.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/10/30، العدد: 10440، ص(7)]

سيظهر في الغد من يقول: ماذا نفعل بكل هؤلاء البشر؟

برلين - لا يمكنك رؤية المستقبل، دون أن تكون قد نظرت طويلاً في الماضي لتدرك كيف وصلت إلى هذه اللحظة. هذا ما فعله يوفال نوح هراري في دراسته لتاريخ الجنس البشري، كي يتمكن من إدراك أو تنبؤ مستقبل ذاك الجنس.

في زمن سحيق، كنا كائنات غير مهمة، كما يقول هراري. لم يكن تأثيرنا يتعدى تأثير كائن هلامي مثل “قنديل البحر”. لكننا اليوم صرنا حكاماً لكوكب الأرض. والسؤال المهم هنا؛ هو كيف تمكنا من التطور إلى هذه الدرجة؟ يتساءل ساخراً “ما الذي يجعلني أكثر رقياً من الشامبانزي؟ مع أنني وبشكل محرج أكثر الكائنات شبهاً بالشامبانزي نفسه؟”.

من فكرة القرد ذاتها، يذهب هراري بعيداً، بتحليل منطقي لما يمكن أن يحدث لو وضع إنسان وقرد في جزيرة ليصارعا من أجل البقاء. يؤكد المؤرخ وعالم المستقبليات الإسرائيلي، أن القرد سيربح تلك المقارنة. من هنا فإن القيمة الكبرى للفوارق بين الحالتين لا تكمن في الفردية منها، بل في الجمعي. أو في سلوك الجماعات لا في نشاط الأفراد.

ضرورة المجتمع

إن البشر يتحكمون اليوم بالكوكب، لأنهم أكثر الحيوانات قدرة على التعاون فيما بينهم. مع إضافة صفة “المرونة” لذلك التعاون الكبير بين البشر. لأن هناك كائنات أخرى تتعاون فيما بينها، كالنحل على سبيل المثال. لكن تعاونها صارم ومنضبط ولا ينطوي على المرونة التي يتمتع بها البشر.

فلا يمكن للنحلات أن يعملن سوى بطريقة واحدة. ولا يمكن لهنّ أن يعدن بناء نظام تعاونهن ذاك إذا ما انهار بين يوم وليلة. لا يمكنهن إعدام الملكة إذا لم تنجح في قيادتهن. أو تأسيس جمهورية النحل.

الجانب الآخر الذي يرد به هراري على أسئلته يتعلق بالمرونة والتعاون، فهناك آخرون غير البشر قادرون على فعل ذلك، لكنهم يقومون به ضمن نطاقات ضيقة جداً تتطلب معرفة كلّ منهم بالآخر لينشأ ذلك التعاون. لكن البشر لا يحتاجون تلك المعرفة لينشأ فيما بينهم تعاون مرن وبأعداد هائلة.

تعاون البشر المرن هذا، لا يتوقف على الإنجازات الهائلة، برأي هراري، بل أيضاً على الكوارث التي تسبب بها الإنسان، والجرائم التي “ارتكبناها ونرتكبها الآن” كما يقول. فالسجن مثال حقيقي على نظام التعاون البشري المرن. كما هو حال المسالخ، ومعسكرات الاعتقال، وغير تلك الأمثلة الرهيبة.

لكن ما الذي يجعل البشر يتعاونون وبشكل مرن وعلى نطاق واسع؟

الخيال هو الجواب. فنحن كما يعتقد هراري، قادرون ليس فقط على ابتكار القصص الخيالية، بل على تصديقها أيضاً. فجيراننا في الكوكب، مشغولون بتفسير الواقع. كما يفعل القرد حين يقول لقرد آخر “انظر. هناك أسد يقترب”. لكننا نفعل أمراً غير هذا. “البشر يستخدمون لغاتهم، لوصف الواقع الخيالي، فيقولون على سبيل المثال: انظروا. هناك إله فوق الغيوم، وإذا لم تفعل ما آمرك به، فهذا الإله سيقوم بإرسالك إلى الجحيم”. ووحدهم البشر يمكنهم استعمال تلك الميزات من أجل التعاون فيما بينهم، إذا ما صدّقوا جميعاً هذا الخيال الذي احتوته الجملة السابقة عمّا يوجد فوق الغيوم.

بالمقابل لا يمكنك أن تقول لقرد “أعطني موزة، لأنك إذا فعلت، فستذهب بعد موتك إلى جنة القرود، وهناك ستكون آلاف الموزات بانتظارك”.

هراري وهومو ديوس

لكن أكثر أمثلة هراري إثارة، كانت حديثه عن المال. فالمال من وجهة نظره، نموذج قويّ جداً على تطبيق الخيال الجماعي والإيمان به وبناء التعاون بين البشر على أساس ذلك في ما بعد. فقطعة الورق الخضراء التي يسمّونها “دولار”، هي شيء لا قيمة له، لكن المصرفيين والاقتصاديين ووزراء المال في العالم قالوا لك إن قطعة الورق الخضراء التافهة هذه “يمكن أن تشتري لك عشر موزات” وأنت صدقتهم، وستذهب بها إلى بائع يصدّق هذا الأمر أيضاً، وسيقوم بإعطائك مقابلها الموزات العشر. المال هو أكثر خيال يصدّقه البشر، فليس كل البشر يؤمنون بالإله. وليسوا جميعاً من المؤمنين بحقوق الإنسان. لكنهم دون أيّ استثناء مؤمنون بالمال.

هراري يؤمن بأننا، نحن البشر، نتحكم بالكوكب، لأننا نعيش في عالمين متوازيين، بينما تعيش الحيوانات في العالم الواقعي المادي فقط. عالمها يتكون من "الكينونات الموضوعية" كالبحار والأنهار والجبال. ونحن أيضا نعيش في عالم موضوعي. ولكننا قمنا عبر العصور ببناء طبقة أخرى من الواقع الخيالي

يقول هراري إننا نتحكم بالكوكب، لأننا نعيش في عالمين متوازيين، بينما تعيش الحيوانات في العالم الواقعي المادي فقط. عالمها يتكون من “الكينونات الموضوعية” كالبحار والأنهار والجبال. ونحن أيضاً نعيش في عالم موضوعي فيه البحار والأنهار والجبال. ولكننا قمنا عبر العصور ببناء عالم آخر. طبقة أخرى من الواقع الخيالي، مكوّن من الآلهة والمال والحقوق والأمم وغيرها. ومع مرور الزمن، أصبح هذا الواقع الخيالي أكثر قوة من الواقع المادي. وأصبح بقاء تلك الكائنات الموضوعية المادية متوقفاً على الكائنات التي أتى بها الخيال، فبقاء الجبال والأنهار مرتبط اليوم بقرارات غوغل والولايات المتحدة الأميركية والبنك الدولي، وهي أشياء موجودة فقط في خيالنا.

مستقبل البشرية

ولد يوفال نوح هراري في إسرائيل في العام 1976، وهو يهودي من أصول أوروبية شرقية، ودرس وعاش في حيفا، حصل على الدكتوراه من أكسفورد في العام 2002. وهو أستاذ محاضر في قسم التاريخ في جامعة القدس، تخصص في التاريخ العالمي، التاريخ العسكري وكذلك تاريخ أوروبا في العصور الوسطى.

كتابه “العاقل ـ موجز تاريخ الجنس البشري” صدر للمرة الأولى باللغة العبرية في العام 2011، ثم ترجم إلى الإنكليزية في العام 2014 ليتم نقله إلى أكثر من 30 لغة حول العالم. وأصبحت كتبه هي الأكثر مبيعاً في إسرائيل وفي العديد من البلدان.

انشغل هراري بالبحث عن الإنسان، وكيف وصل إلى حالته الراهنة. وكيف سيكون مستقبله. وما هي العلاقة بين التاريخ وعلم الأحياء؟ وهل هناك عدالة في التاريخ؟

عمله الآخر هو “هومو ديوس” أو “موجز تاريخ الغد” الذي صدر في العام 2015 وترجم إلى الإنكليزية في بريطانيا هذا العام 2016. في “هومو ديوس” يعود هراري إلى الماضي، متناولاً تجربة الإنسان مع القضايا الأخلاقية المستمدة من التاريخ. ويحاول رسم صورة لمستقبل البشرية من خلال دراسة فردية الإنسان هذه المرة، إضافة إلى ما أنجزته البشرية في الزمن الراهن واتصال هذا بمسار الإنسان.

يبدأ هراري منذ ما يسمى بـ”الثورة اللفظية” للإنسان. أي منذ تمكّن البشر من إلقاء الأوامر لأول مرة عبر اللغة. تلك الأوامر هي ما صارت لاحقاً مفاهيم تتحكم بوجودهم وحياتهم في ما بينهم. القدرة على إعطاء تلك الأوامر، مكنت البشرية من تحقيق إنجازات هائلة عبر تاريخها الطويل.

ويشرح هراري التهديد الذي تمثله التكنولوجيا على البشرية، وعلى استمرار قدرتها على إعطاء معنى للحياة، في ظل البيئات الجديدة التي نشأت بفعل التطور العلمي، وهو يتنبأ بأن الأجيال البشرية القادمة يمكنها أن تتوصل إلى قدرات خارقة تخوّلها من قهر الموت، والعيش إلى الأبد. فكيف سيكون شكل الحياة حينها؟

أخطر تنبؤات هراري حول مستقبل البشرية يتمثل في قوله “أتوقع أن يقوم البشر خلال القرنين القادمين بتحديث أنفسهم إلى فكرة كائن إلهي، من خلال التلاعب البيولوجي”. ويعلل هذا بالقول “إن شيئا لم يتغير بيولوجيا منذ أربعة مليارات سنة. ولكننا سنكون مختلفين عن بشر اليوم كاختلاف قرود الشامبانزي عنا الآن”

يرى هراري في كتابه “ما بعد الإنسان العاقل” أن الثورة الصناعية قد أنتجت فئات عمالية مدنية، وخلال المئتي عام الماضية، ارتبط الحراك السياسي والاجتماعي بتلك الفئات. اليوم نشهد فئات مهملة كبيرة من البشر الذين لا عمل لهم، بعد دخول التقنيات الحديثة حياتنا، مثل الآلات الذكية والكومبيوترات وغيرها. أدوات يتحسّن أداؤها باستمرار. وهذا التطور مرشّح لجعل البشر ينتقلون إلى كرسي الاحتياط في جميع المهام. وحينها سيكون السؤال أمام البشرية في القرن الحادي والعشرين؛ بماذا سنحتاج كل هؤلاء البشر؟ أو ما هو الداعي لكل هذا العدد من البشر؟

يحاول الإجابة على تلك الأسئلة، بالقول “نبقيهم في عالم المخدرات، أو في ألعاب الكومبيوتر”. ويتوقع هراري أن يتم تقسيم البشرية إلى أثرياء وفقراء، الأثرياء سيكونون بمثابة الآلهة الافتراضية. والفقراء سينحدر بهم الحال إلى درك سحيق.

يقول هراري إننا مبرمجون لأن نكون متذمّرين، وحتى عندما يحصل البشر على المتعة ويحققون الإنجازات، فإن هذا “لا يكفيهم بل يريدون المزيد”، ويضيف “أتوقع أن يقوم البشر خلال القرنين القادمين بتحديث أنفسهم إلى فكرة كائن إلهي، من خلال التلاعب البيولوجي أو الهندسة الوراثية أو بخلق سايبورغ يكون جزء منه عضويًا وجزء غير عضوي”. ويعلل هذا بالقول “إن شيئًا لم يتغيّر بيولوجيًا منذ أربعة مليارات سنة. ولكننا سنكون مختلفين عن بشر اليوم كاختلاف قرود الشامبانزي عنّا الآن”.

ووسط حروب الشرق الأوسط الدينية، يرى هراري رأيا آخر، غير ما تؤمن به أطراف النزاعات في تلك المنطقة المشتعلة. فهو يعتقد أنّ المكان الأكثر قداسة الآن على ظهر الكوكب، ليس الأرض المقدّسة في الشرق الأوسط. بل “وادي السليكون” حيث يطوّر الباحثون هناك “ديناً تكنولوجياً” سينتصر على الموت.

الأيام الأخيرة للموت

باحث يؤمن بالخيال مثل هراري، يعتقد أن الدلائل كلها تشير إلى رجل القرن الحادي والعشرين، جادّ في طلب الخلود والمحافظة على الشباب الدائم ومكافحة الشيخوخة. أما الموت فهو كما عرفناه سابقاً، صراع شرس مع الجوع والمرض.

ومن خلاله استمدت حياتنا قيمتها المقدسة في العالم الواقعي. لذلك كان الموت هو ضمان الاستمرار بالنسبة إلى البشرية. ومع الوقت، وتطور الوعي بين الناس، وشيوع المعلومات الطبية، أصبح حتى الناس العاديون، الذين لا انخراط لهم في البحث العلمي يتابعون عن كثب، سير المعركة مع الموت. كما اعتادوا على متابعة آخر التطورات في الأبحاث الطبية.

أصبح البشر يفكّرون في الموت، بطريقة تقنية لا أكثر. ومع الوقت قلّت القداسة التي كانت تصبغه. ولم يعد الموت ذلك الشبح الذي يرتدي عباءة سوداء، ويأتي لخطف الأرواح.

فعندما يذهب شخص إلى الطبيب ويقول “دكتور، ماذا لديّ؟”، سيجيب الطبيب بشيء من هذا القبيل “لديك مرض السلّ” أو “أنت مصاب بالسرطان أو ”لديك مرض الزهايمر”. فيسأله الشخص “وماذا سيحدث؟” فيجيب الطبيب “الموت”. تلك الإجابات، برأي هراري، هي إجابات تقنية لا أكثر، وهي تشخيصات علمية، وبنود في كتب الطب والأكاديميات، ونتائج لعمل ميكروبات محددة ومسببات لم تعد خافية على أحد.

وبالمنطق ذاته، فإن شيئاً ما سيحدث، ويجعل البشرية تتغلب على هذه التقنيات، وبالتالي ينتهي الموت إلى الأبد. لأن الأمراض التي لا تتفوّق على معارفنا، لا تغلبنا، ولكننا نتقبل الهزيمة أمام السرطان والسلّ. بينما لا نحرك ساكناً أمام الزهايمر، مع أن الحق في الحياة لا يقتصر على وقت محدد. فشرعة حقوق الإنسان لا تنص على أن “لكل فرد الحق في الحياة حتى سن الـ90″. بل تقول إن “كل شخص له الحق في الحياة”.

المشروع الرائد بنظر هراري، هو “هزيمة الموت” وهو يستند في قناعته تلك إلى الكثير من الإشارات الصادرة عن مراكز الأبحاث. وكذا ما يشي به التقدم السريع في مجالات الهندسة الوراثية، وعلاجات التجدّد، والبيولوجيا الإلكترونية. هذه الأمور تجعل المستقبليين يتوقعون انتصاراً على الموت يتحقق في غضون بضعة أجيال . البعض يقول إن هذا التاريخ سيكون في 2200، والبعض الآخر يقول إنه سيتحقق بحلول العام 2100.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر