الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

نظرية الشبابيك المكسورة

انتشار الشبابيك المكسورة يعطي انطباعا للمهملين من الناس والمنحرفين، بأن لا أحد في هذا المكان يكترث، فيبدأ التخريب وتنتشر الجرائم والعديد من الأوبئة المجتمعية

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/11/03، العدد: 10444، ص(24)]

كثيرا ما ننظر إلى الظواهر المجتمعية السلبية من الزاوية السهلة، فنخطئ في التحليل ويهرب منا الحل. وبدلا من المساعدة في تخليص المجتمع من همومه ومشاكله التي تنتشر كالأوبئة وتظهر كما تظهر الموضة وتختفي، ننخرط في لوم الناس وجلدهم بسياط الكلام، ورش الملح على جراحهم النازفة. نقدنا المتواصل للمجتمع وللناس قد يتحول إلى نبوة تحقق ذاتها، ويؤدي إلى خلق انطباعات تعزز الإحباط والشعور بالدونية غير المبرر.

ولنأخذ موضوع نظافة شوارع المدن والقرى العربية كمثال، فقد تشكل انطباعا عاما عند عامة الناس والمتخصصين على حد السواء، مفاده أن “العرب” غير حضاريين ولا يستطيعون الحفاظ على نظافة شوارعهم. انتشر هذا الانطاع حتى بات الإنسان العربي نفسه مقتنعا به، وبأنه، وعلى عكس غيره من البشر، وسخ وغير حضاري.

نلوم الناس وهم أكثر من يعاني، نجلدهم دون تقديم حلول أو رؤى علمية معاصرة، تستطيع أن تخرجهم من بؤسهم ومن الشعور بالدونية بين الشعوب.

في ثمانينات القرن الماضي، كانت مدينة نيويورك من أهم مدن العالم، ومن أكثرها قذارة وساقطة في مستنقع الجريمة العشوائية، أحياء كاملة كانت ترزخ تحت أكوام القمامة وسطوة عصابات الجريمة المنظمة وغير المنظمة. قطارات مشوهة بكل ألوان الغرافيتي وقبيح الكتابات وأكثرها بذاءة تجوب نيويورك ليل نهار بطولها وعرضها.

في نيويورك، كانت كل أصابع الاتهام مصوبة باتجاه الفقراء، وتشير إلى السود من أصول أفريقية، وتتهم الأجانب وعامة الناس. قامت السلطات المحلية بسن قوانين صارمة، وطبقت سياسة القبضة البوليسية الحديدية، ولكن دون جدوى، وبدلا من حل المشكلة، ازداد الوباء انتشارا.

في منتصف الثمانينات، وظفت بلدية مدينة نيويورك العالم جورج كيلينغ، أحد المتخصصين في الاجتماع وصاحب نظرية “الشبابيك المكسورة”، والتي تفسر ظهور الأوبئة الاجتماعية مثل الجريمة وانتشار القاذورات، وتبين طريقة انتشارها. حث هذا العالم المسؤولين في البلدية على العمل بموجب نظريته بسرعة وبجدية.

تقول النظرية، إن الظواهر المجتمعية البشعة، تنتشر كما تنتشر الموضة، ومعدية كما الأمراض والأوبئة، فإن ترك شباك مكسورا ولم يصلح فورا، تكسر باقي شبابيك البناية، وشبابيك بنايات الحي، الواحد تلو الآخر.

انتشار الشبابيك المكسورة يعطي انطباعا للمهملين من الناس والمنحرفين، بأن لا أحد في هذا المكان يكترث، فيبدأ التخريب وتنتشر الجرائم والعديد من الأوبئة المجتمعية. الحل كان أن تقوم البلدية بإصلاح كل شباك مكسور، ردم كل حفرة، تنظيف كل ناصية شارع، دهن كل قطار من جديد وكل ليلة، والاستمرار دون كلل ولا ملل حتى يتوقف الوباء المضر وتزدهر موضة السلم والنظافة.

الخلاصة: المسؤولية لا تقع على عامة الناس، ولومهم واتهامهم بأنهم أقل ذوقا أو حضارة لا يحل المشكلة، الحل في يد البلديات والحكومات، هي من يستطيع عكس اتجاه انتشار العدوى من السلبي إلى الإيجابي، من القذر إلى النظيف، والناس ستستجيب، فأغلبنا لا يوسخ أو يخرب شوارع ومرافق نظيفة، ولكن كلنا تقريبا، لا نتردد في إلقاء القمامة في شارع وسخ.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر