الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

متى يموت الأمير؟

يفني الجاهلُ الجاهلَ، فلا تبقى سوى الأجيال الجديدة التي ستعيش على الحب والحرية والجمال.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/11/28، العدد: 9393، ص(24)]

لم أنس فيلم التونسي ناصر الخمير "طوق الحمامة المفقود" الذي كنت قد شاهدته في إحدى دور العرض الدمشقية في عام 1991، وكان الفيلم استعادة قصدية ومدهشة لزمن قديم وإشكالي مليء بالتساؤلات والسحر والبلاغة والانهيارات، صوّره ابن حزم الأندلسي في كتابه "طوق الحمامة في الألفة والإيلاف"، وابن حزم هذا هو أكبر علماء الأندلس وأكبر علماء الإسلام تصنيفا وتأليفا بعد الطبري، وقد كان متكلما، أديبا وشاعرا وناقدا محللا ووزيرا سياسيا لبني أمية، سلك طريق نبذ التقليد وتحرير الأتباع، فقامت عليه جماعة من المالكية وعاش منفيا عن وطنه، حتى دفعتني مشاهدة الفيلم إلى البحث في حيّ المسكية قرب بوابة الجامع الأموي عن كتاب ابن حزم فعثرت عليه في طبعة قديمة، أما أحد أبطال ناصر الخمير في شريطه الثمين فكان فتى يتجوّل على طول الزمن وعرضه.

ومن مشاهده العميقة، مشهدٌ يسأل فيه الصغير عجوزا ينسج قطعة قماش: "ماذا تفعل يا جدّي؟ قال العجوز"أنسج كفنا للأمير، قال الفتى: ومتى تنتهي من نسج الكفن يا جدي؟ قال العجوز: عندما يموت الأمير، سأل الفتى: ومتى يموت الأمير يا جدي؟

أجاب العجوز: عندما أنتهي من نسج الكفن"، وكان كتاب ابن حزم قد بدأ بعبارة تختزل الحبّ وطبقاته اللانهائية، قال الأندلسي: "الحب أعزك الله أوله هزل وآخره جدّ، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل"، فبحثت في حبّ الناس للحرية حين علمت من ابن حزم أن الحبّ يغيّر النفس ويزكّيها، فقد "قيل لأعرابي: إن ابنك عشق فماذا أنت فاعل به؟ فقال: وأي بأسٍ في هذا؟ إنه إذا عشق نَظُف وظَرُف ولطُف" فعلمت أن القلوب تورق كلّما تعلّقت بما تحب، ورأيت في الواقع وعلى مدى أكثر من ثلاثين شهرا مضت قبل اليوم، أن الناس يذوون ويذبلون يوما بعد يوم، ورأيت أن الناس أقبلوا على تقمّص صورة من يكرهون لا من يحبون، فصار بعضهم نسخة من العدوّ، يسفك الدماء مثله ويفتك بالحريات كما يفعل الجلاد.

وظلّت تلك الدائرة المتواصلة ما بين الكفن والأمير والعجوز والنسج وأسئلة الفتى في ذهني طويلا، حتى بدأت الثورة السورية تنسج كفنا للأمير الدموي الذي ورث الشام، وردة العرب، بمن عليها قبل ثلاثة عشر عاما، فأحببت أن أطلّ على الكفن ومن ينسجه، فلم أجد من حكمة عجوز ناصر الخمير شيئا يُذكر، فلا الكفن يُنسج، ولا الأمير يموت، فعلمت أن للتاريخ حكمةً في تدوير الصلات ما بين الخلق، لتنضج الظروف، ويفني الجاهلُ الجاهلَ، فلا تبقى سوى الأجيال الجديدة التي ستعيش على الحب والحرية والجمال.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر