الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الطريق الصحيح للمصالحة في العراق

المصالحة الحقيقية هي عملية تكييف تستهدف مداواة البنية الممزقة للعلاقات الاجتماعية التي كرسها المشروع الطائفي في العراق. المصالحة هي في منح الثقة لكل عراقي غيور على وطنه ولا فرق بين شيعي وسني، لأن الجميع أبناء وطن واحد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/11/08، العدد: 10449، ص(8)]

قبل أن تنتهي مرحلة إلحاق الهزيمة العسكرية بداعش من الموصل تصاعدت في الأيام الأخيرة دعوة ما تسمى بـ”التسوية التاريخية” أو “المصالحة الوطنية” أطلقها مجلس الحكيم عبر “التحالف الشيعي” الذي تزّعمه مؤخرا. وهي دعوة لا تخرج عن محاولة إعادة إنتاج هيمنة ذلك التحالف على السلطة بعد داعش، ولردم التفكك السياسي والاجتماعي والأزمات الكبيرة التي أحدثتها سياسات المشروع الطائفي في العراق خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية. حيث استخدم شعار “المصالحة الوطنية” خلال تلك السنوات لأغراض تكتيكية عند بعض قوى التحالف الشيعي أو السني من أجل الإيهام والتمويه لفرض الهيمنة السياسية الطائفية وتجديدها حينما تتطلب الحاجة ذلك، وهذا ما يحصل اليوم حيث واجه “التحالف الشيعي” مأزقه السياسي أمام جمهوره الشيعي وكذلك تحالف القوى السنية أمام جمهوره السني أولا، وجمهور العراق ثانيا.

فأي مصالحة وطنية أو تسوية تاريخية يتحدث عنها رئيس “التحالف الشيعي”؟ المصالحة بين من ومع من؟ هل هي مصالحة سياسية أم اجتماعية، وهل هي مصالحة بين عرب العراق من الأحزاب الشيعية الحاكمة والكتل التي تدعي تمثيل العرب السنة وبينها وبين الأكراد؟ وما هي البيئة السياسية والاجتماعية الجديدة التي ستتوفر بعد داعش؟ أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابة من دعاة “التسوية التاريخية”، وهو مشروع اشتغل عليه وروج له بعض الناشطين من العرب السنة وبدعم غير معلن من بعض القيادات الشيعية منذ أكثر من عامين هدفه المعلن إنعاش العملية السياسية، وتسويق بعض الأسماء للحصول على امتيازات ومكاسب ذاتية، لكن الهدف الحقيقي هو دعم المشروع الطائفي الذي ثبت فشله.

المعطيات التاريخية والسياسية في العراق تقول بأنه لم يحصل في هذا البلد أي عداء بين الطوائف والمكونات العرقية التي عاشت عبر التاريخ متجانسة ومتآخية، ولم تنشأ حروب أو صراعات مذهبية بينها، ما حصل هو صراعات سياسية بين نظم الحكم السياسية وآخرها نظام صدام حسين، وبين منظمات سياسية رفعت الشعارات الطائفية كغطاء لمشاريعها في الاستيلاء على الحكم.

ولأن الأميركان هم الذين جلبوا بعد احتلالهم البشع للعراق عام 2003 الوصفة المدمّرة للبلد (شيعي – سني – كردي) فقد تم افتعال الصراع لتمرير المشروع الطائفي الذي كان منقذا للأحزاب الدينية الشيعية لكي تتبناه بعد تخليها عن إعلان مشروع “الدولة الشيعية” مؤقتا لأنها وجدت استحالة تمريره في العراق.

فحكمت باسم الطائفة ولم تقدم مكسبا لجمهورها، بل منحت العطايا للموالين لتلك الأحزاب فقط، كما تم تشريع دستور غامض أباح الصراعات السياسية وحمل الكثير من الالتباسات في الحكم، فكرس الانقسامات الطائفية وعزز تعدد الهويات الفرعية لاغيا الهوية الوطنية حين قال بأن العراق هو بلد المكونات، وأثار النزاع والصراع بين مركز الحكومة والمحافظات لدرجة منحها حق أن يكون لديها تمثيل دبلوماسي خارجي مثلما حصل للأكراد، وحاول ذلك الدستور الملغم منح الترضيات المؤقتة لما كان يسمى بالتحالف “الشيعي الكردي” الذي انفرط اليوم في ظل تراكم المكاسب للأكراد ونزوعهم إلى الاستقلال.

بالمقابل نفذت السياسات القمعية ضد العرب السنة المواجهين لمسلسل الاتهامات فشرّعت بحقهم قوانين إباحة الملاحقة والاعتقال واستهداف الحقوق المدنية الإنسانية كقانون “اجتثاث البعث”، الذي تحول إلى منصة كيدية ضد من والى الحكم السابق، دون تمييز بين من ارتكب انتهاكات ضد المواطنين وبين الأبرياء ليتم بناء جيش من المظلومين على أنقاض حل جيش وطني ضم مئات الآلاف من منتسبيه تم رميهم بالشارع، أو قوانين “أربعة إرهاب” والمخبر السري لملاحقة واعتقال الأبرياء دون قضاء عادل، وتمت شرعنة الفساد والمحسوبية وتسييد الثأر والحقد والكراهية والاحتراب الاجتماعي والتهجير الطائفي، مما دفع الملايين من المظلومين المستائين إلى البحث عن ملاذات للخلاص، اقتنصها داعش لتمرير مشروعه التدميري.

هناك تشكيك دائم في العرب السنة الذين أثبتوا محاربتهم للقاعدة عام 2007 حيث دحروها في الأنبار عبر الصحوات التي أهينت في ما بعد بقطع أرزاق أفرادها، وتكررت القصة مع أهالي الفلوجة والرمادي حين منع تسليحهم لمحاربة داعش، وأخيرا يتكرر المشهد مع العشائر العربية الموصلية.

وإذا كانت هذه هي السياسات وبرامج الإذلال للعرب السنة ما قبل وخلال احتلال داعش للعراق، فماذا سيحصل بعد ذلك؟ هل هناك إرادة حقيقية لإجراء تحولات سياسية تؤدي إلى الانفراج العام؟ المؤشرات الحالية لا تشير إلى ذلك، وما يحصل على إيقاع إنجاز تحرير الموصل يؤكد تصاعد المشروع السياسي الطائفي بأشكال جديدة، فقد ظهرت قصة الحشد الشيعي في توظيف سياسي طائفي للحرب ضد داعش، والتي ينبغي أن تصبح حربا وطنية تذوب على سواترها جميع الفوارق ونزعات الثأر والكراهية، لا أن يتم تأجيجها مجددا للانتقال إلى مرحلة الاستحواذ على المكتسبات السياسية للأحزاب التقليدية، وتقديم نماذج أكثر تطرفا في إلغاء الآخر، فهل هذه بوادر”للتسوية التاريخية” حتى في المعنى الطائفي المتداول بين أطراف العملية السياسية القائمة؟

ثم ما هي الضمانات السياسية التي قدمت للمهمّشين من خارج إطار الصفقات الجديدة التي يتم الشغل عليها بين الأحزاب الشيعية وممثلي العرب السنة الذين يصار إلى تنقيتهم من الشوائب التي تعكر صفو اللعبة الطائفية القادمة، أو إزاحة بعضهم واستبدالهم بآخرين من الصف الثاني الذين بالغوا في نقد آبائهم من شيوخ العرب السنة الذين لم يعودوا مقبولين لدى الجمهور السني، ومن هم الموالون وغير الموالين الذين ينبغي التصالح معهم؟

هل هم البعثيون، أم هم أولئك المقاومون لتنظيم داعش وحكم ولايته للموصل الذين سيزيلون اللثام عن وجوههم بعد دحر داعش من الموصل، أم سيصبحون أعداء جددا، وبالتالي دخول كابوس جديد بعد إزالة كابوس داعش في ظل أسئلة القلق على مصير هذه المدينة العراقية الباسلة وتجدد خطاب الثأر ضد أبناء الموصل تحت عنوان حواضن داعش وتكفير الآخر وتجريمه؟ وما هي الضمانات لجميع الفصائل المسلحة في الموصل لكي ترمي البندقية جانبا وتندمج في الحياة السياسية والاجتماعية وفق إطار وطني عام يعطي الثقة للجميع في بناء الوطن الذي هو ملك الجميع؟

هل يمكن لدعاة “المصالحة” من قادة التحالف الشيعي أن يقدموا الدلائل على أنهم سائرون للتخلي عن المشروع الطائفي والدخول في المشروع الوطني، الذي وحده يصبح الضمانة لبناء مصالحة وطنية تعود فيها الحياة الاجتماعية والسياسية إلى طبيعتها ويصبح التنافس على السلطة جزءا من نظام مدني تعددي لا طائفي وليس على أسس مكررة كالأغلبية السياسية، وهي في حقيقتها أغلبية طائفية؟

التحالف الشيعي بقيادته التنظيمية الجديدة يحاول إشاعة مناخ إعلامي عام يخدم المشروع الطائفي لمرحلة انتخابات عام 2018. المصالحة ليست وصفة تقدم كدعم للمشروع الطائفي بعد وصوله إلى مأزقه التاريخي وصفقة جديدة لتقاسم السلطة، كما أن استمرار وسائل التحشيد الطائفي على حساب السلم الاجتماعي والاحتكام للسلاح وتجييش الشارع الشيعي ضد السني، لن يسهم في بناء مناخ جدي للمصالحة.

العراقيون لا يحتاجون جهودا للدمج الاجتماعي مثلما يتخيل البعض، ما يحتاجه العراقيون هو حكم مدني لا طائفي عادل يقوم على سلسلة من الإجراءات الميدانية العاجلة تعمل على إعادة النازحين والمهجّرين إلى ديارهم، وإشعارهم بالاطمئنان والسلام، وتوفير الاحتياجات الإنسانية لهم وإنهاء الفساد، وإعادة الكرامة لهم وتحويل قانون “اجتثاث البعث” إلى قانون قضائي يقتص من كل من انتهك حقوق المواطنين، وفق شهادات موثقة مثلما حصل في جنوب أفريقيا خلال المصالحة التاريخية، ودعوة الكفاءات العراقية المهاجرة للعودة إلى الوطن، وإزالة ما لحق بالكثير من العرب السنة من مصادرة للحقوق المدنية على أساس طائفي.

المصالحة الحقيقية هي عملية تكييف تستهدف مداواة البنية الممزقة للعلاقات الاجتماعية التي كرسها المشروع الطائفي في العراق. المصالحة هي في منح الثقة لكل عراقي غيور على بناء وطنه ولا فرق بين شيعي وسني، لأن الجميع هم أبناء وطن واحد، وإنتاج مشروع سياسي جديد تديره القوى الوطنية العراقية داخل العملية السياسية بعد تخلي بعضها عن التمسك بالطائفية ومحاصصاتها ويحقق الإجماع الوطني دون خوف من فقدان مكاسب السلطة حيث تتحول إلى خدمة عامة للمواطن الذي يستحق ذلك، فقد تعب العراقيون وأنهكتهم الحروب والدكتاتورية والاستبداد والصراعات السياسية، لا أن تصبح الدعوات الجديدة لـ”المصالحة” أو “التسوية التاريخية” غطاء لإعادة إنتاج “المشروع الطائفي”.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر