الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

ثنائية الفوضى والطغيان.. التديين والاستبداد

عربة الاستبداد يجرها جوادان، أولهما الجماعات التكفيرية وتنظيم الإخوان بإرهاب لا يخفي عداوته وعدوانه وإقصاءه للمختلف وقتله باسم الدين، وثانيهما الأزهر ومؤسسات دينية أهلية لا تفرق بين إيمان يطمئن إليه قلب المؤمن ومظاهر التدين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/11/08، العدد: 10449، ص(8)]

باحتلال العراق عام 2003، انتهى الاستبداد وبدأت الفوضى. في المرحلة الأولى كان للكلام ثمن باهظ، وفي الثانية يتراوح الأمر بين مجانية الكلام وفواتير قد تصل إلى القتل، انتظارا لدورة جديدة من الاستبداد.

وفي عام 2013 دخلت مصر مرحلة تتسق مع التطور البشري من الفوضى إلى الاستبداد. هذا الخيار الدامي بين فوضى الغابة وطغيان الدولة، يظل قدرا عربيا وربما إسلاميا. ليس في هذا تجنّ على الإسلام، ولكنه توصيف لأي دين أو مذهب يستبد باسم الحكم الإلهي، وإذا عجز عن بلوغ السلطة أو فقدها، انتهج إثارة الفوضى فيصير داعما للمستبد ومسوّغا لإطالة عمر الاستبداد.

لا تعدم الحالة العراقية حنينا إلى عهد الاستبداد. البعض يراه أخف ضررا من فقدان الأمان ونمو دوائر جديدة من الاستبداد الرسمي الطائفي، ويزداد هذا الشعور كلما تراجع الوعي بحقوق المواطنة وقدسية الحريات الفردية. وفي مصر كان الرهان على تجاوز الفوضى إلى “الدولة”، فإذا بنا نستعيد حيرة “رام” بطل رواية “بيرة في نادي البلياردو”، التي كتبها وجيه غالي في ستينات القرن الماضي بعد أن غادر مصر إلى بريطانيا. يقول رام “الهند: الناس تجوع لتدفع ثمن الديمقراطية المنشودة. وفي الصين: لا تجوع الناس على الإطلاق لأنه تحكمهم دكتاتورية شيوعية. أما نحن، فلدينا أسوأ ما في النظامين: الدكتاتورية والجوع، بالإضافة إلى عدم وجود مستقبل نتطلع إليه”.

قيل هذا الكلام المتشائم حين كانت مصر “دولة” يتمتع مواطنوها بحد أدنى من الكفاية وعدالة التوزيع، ويراهنون على الأمل في الغد، أيا كان رأيك الآن في نظام عبدالناصر، وانتقادك لتجربة يراها أعداؤه “نموذجا” للاستقلال الوطني وتجلياته في التنمية الاقتصادية، وتعميم مجانية التعليم والنهضة الصناعية والانتعاش الثقافي وصرامة المحاسبة. في عهد “الاستبداد الوطني” القابل للنقاش لفهمه في سياقه التاريخي، لا لتبريره، ذهبت مظاهر الفوضى، وحضرت “قبضة دولة” تحتكر القوة، وتمارسها وفقا لضوابط القانون، وإن خرجت الأمور عن حدود القانون أحيانا في استعادة لفوضى ما قبل الدولة والقانون معا، وهي تجاوزات وخطايا أسقطها الكثيرون، حتى من ضيوف معتقلات عبدالناصر، ومنهم فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم، ويوسف صديق الذي لولاه لفشل مشروع 23 يوليو 1952. كتب فؤاد حداد قصيدة “استشهاد جمال عبدالناصر”. ونجم هجا عبدالناصر بعد هزيمة 1967، ثم رثاه بقصيدة. ويوسف صديق وصفه في قصيدة بأنه “فرعون”، ثم تصادف وجوده في موسكو عند وفاته فبكاه “أبا الثوار هل سامحت دمعي ـ يفيض وصوت نعيك ملء سمعي”.

استأثر عبدالناصر بسطور كان أولى بها عبدالفتاح السيسي الذي قفز إلى مقعد الزعيم، محمولا على آمال الشعب في أن يكون صورة جديدة من رجل أدرك وزن مصر، وأجاد مد بصره خارجها إلى ثلاث دوائر استراتيجية (عربية، أفريقية، إسلامية)، فنجح وأخفق، وأنجز وتعثر، وترك في كل مكان أثرا يمثل عقدة لخلفه ما لم يكن عند مستوى توقع الشعب. الفرق بينهما في الوعي والخيال، عبر مسافة وعمق يتسعان بمضي الوقت. شيد عبدالناصر أسطورته بإنجازات فعلية عجزت هزيمة عسكرية عن النيل منها. لم تضق به بلاده لكي يبحث عن آفاق في الشام وباب المندب، وإنما فهم أن مصر تستطيع حين تجيد توظيف قدراتها، وتحمي أمنها القومي. أما السيسي فيجيد تبديد رصيد لم يتعب في جمعه، إذ علقت عليه الجماهير آمالا في لحظة لن تتكرر، ولم يشفق من الأمانة ولا أجاد صيانها، فلا بقيت مصر في الفوضى ولا أصبحت “دولة”. حتى في القاهرة نفسها يصعب أن تجيب عن سؤال، من يحكم مصر؟ القانون أم بلطجية يتناسلون في ست سنوات، ويضيّعون على الدولة حقوقا تغنيها عن التسول، ولا يمارس بلطجي لصوصيته في الخفاء، بل تحت أعين الشرطة، وربما يقتسم الإتاوات مع الفسدة.

تشاؤم وجيه غالي، بجمع أسوأ ما في النظامين الهندي والصيني “الدكتاتورية والجوع”، يعيدنا إلى ثنائية الفوضى وطغيان الدولة، وفي اجتماعهما استبداد ثنائي تخلصت منه “دول” تمارس فيها المؤسسات دورها وفقا لقانون ملزم للجميع، ولو كان صارما لدرجة القسوة. ربما يدلل البعض على “طغيان الدولة” بحظر المزاح في أماكن أو أحوال تعكر صفو المواطنين، فلا يسمح لراكب بالسفر في طائرة إذا أطلق مزحة أنه ينوي خطفها، سيحقق معه وقد يعاقب.

ففي فرنسا قضت محكمة استئناف عام 2013 بمعاقبة المغربية بشرى باجور بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ، وتغريمها ألفيْ يورو، ومضاعفة الغرامة لأخيها الذي اشترى لابنها “جهاد” (3 سنوات) قميصا ذهب به إلى الروضة، كتب عليه من الأمام “أنا قنبلة”، ومن الخلف “جهاد.. مولود في 11 سبتمبر”، فأزعج عاملي الحضانة واعتبرته النيابة “إشارة واضحة ومباشرة للإرهاب”.

وفي مصر يسجن المصور الصحافي محمود أبوزيد (شوكان)، احتياطيا منذ أغسطس 2013، من دون محاكمة، ولم تعلن الشرطة عجزها عن جمع أدلة لإدانته، ولم تعترف النيابة بضعف كفاءتها في توجيه اتهام، فتستسهل اعتقاله. حالة شوكان وغيره تخدش هيبة دولة تنتهك دستورا تقول مادته الـ57 “للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس، وللمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محدودة”. ولم يساءل منتهكو حرمة الحياة الخاصة، بعد إذاعتهم محادثات هاتفية في الفضائيات، وحظي البعض منهم بدعم أجهزة أمنية كافأته بعضوية البرلمان. كما تنص المادة 67 على أن “حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة”، ثم يسجن كاتب بتهمة اسمها “خدش الحياء” وإعلامي لأنه اجتهد اجتهادا لا يروق للأزهر، فرفع شيخه أحمد الطيب دعوى قضائية لوقف برنامج “مع إسلام”؛ بحجة “التطاول والهجوم على الشريعة الإسلامية والتراث الإسلامي… وهدم تراث الأمة”.

عربة الاستبداد يجرها جوادان، الجماعات التكفيرية وتنظيم الإخوان بإرهاب لا يُخفي عداوته وعدوانه، وإقصاءه للمختلف وقتله باسم الدين. وثانيهما الأزهر ومؤسسات دينية لا تفرق بين إيمان يطمئن إليه قلب المؤمن ومظاهر التدين، وتسعى إلى تديين كل شيء، فلا يصير دينا ولا يصلح لدنيا. وتوهم البسطاء بأن كتابا أو برنامجا تلفزيونيا أو بناء كنيسة تهديد لسلامة الدين. خطاب يتهم الإسلام بالهشاشة، ويحتاج وقفة تنزّه الدين عن موظفيه، بتشديد الظاء مع الفتح والكسر.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر