الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

أدب الأيديولوجيا

لم يكن حال الأدب القومي أفضل من حال الواقعية الاشتراكية، بل العكس كان الأقل انتشارا وتنظيرا نقديا، ولذلك لم يستطع أن يؤسس لاتجاه أدبي ونقدي، يفرض نفسه على الحياة الثقافية العربية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/11/08، العدد: 10449، ص(15)]

أدب الأيديولوجيا الذي شاع في القرن الماضي، لم يكن في معناه ودلالاته خارج السياق التاريخي والفكري للتحولات الفكرية والسياسية، التي بدأت مع الثورة البلشفية وولادة الأحزاب القومية العربية وتنظيم الإخوان المسلمين، لذلك كان هذا الأدب هو الابن الشرعي لهذا الواقع الجديد وتعبيراته، في الأدب والفن. من هذه الأيديولوجيات الثلاث برزت مفاهيم الواقعية الاشتراكية، والأدب القومي والأدب الإسلامي.

كانت القيمة الجمالية لهذا الأدب تتمثل في موضوعاته، وما يطرحه من قيم وينتصر له من أفكار، في حين أن الاهتمام بحرية الكاتب، وبالقيمة الفنية والتعبيرية وتطوير رؤيته للعالم والذات لم يكن ذا شأن. وكأي حركة وجدت هذه الأيديولوجيات نقادا يواكبون مسيرتها تنظيرا ودراسة، وبينما كان النقد الماركسي ونقاده هم المرجعية لأصحاب الواقعية الاشتراكية، فإن الفلسفة الوجودية كانت الأكثر استحواذا على كتاب الاتجاه القومي، بينما شكل التراث الإسلامي مرجعية لأصحاب الأدب الإسلامي.

لقد كانت الواقعية الاشتراكية هي الاتجاه الأكثر تطورا من الناحية النظرية والنقدية، نظرا لوجود حامل سياسي وأيديولوجي قوي لها، استطاع أن ينتج أدبا خاصا بها، ونقادا يصوغون مفاهيم علاقتها بالواقع ورؤيتها إلى العالم، وقد شهد هذا الأدب انتشارا واضحا بسبب انتشار هذه الأيديولوجيا في العالم من جهة، ومن جهة ثانية بسبب انفتاح البعض من منظريها النقديين في مرحلة لاحقة على الاتجاهات النقدية الحديثة في الثقافة الغربية، كما في حالة جورج لوكاش ويوري لوتمان، لكن هذه الواقعية وأدبها انتهيا مع انتهاء النظام السياسي والأيديولوجي الحامل لها، وبقي أدبها ذكرى من زمن مضى، خاصة مع التطور المتلاحق للنظريات الأدبية والنقدية، وانفتاح الآدب والفنون على بعضها البعض.

ولم يكن حال الأدب القومي أفضل من حال الواقعية الاشتراكية، بل العكس كان الأقل انتشارا وتنظيرا نقديا، ولذلك لم يستطع أن يؤسس لاتجاه أدبي ونقدي، يفرض نفسه على الحياة الثقافية العربية، بعد أن ظل تداوله والحديث عنه محصورين في فئة من أصحاب هذا الاتجاه، وفي بلدان بعينها كانت الأحزاب والأيديولوجيات القومية هي التي تهيمن على الحياة الأدبية فيها.

وإذا كان مفهوم الأدب القومي قد جاء ردا على مفهوم الواقعية الاشتراكية، انطلاقا من اعتبارات سياسية وفكرية، فإن مفهوم الأدب الإسلامي، هو الآخر، جاء ردا على المفهومين السابقين، وفي محاولة لبلورة اتجاه أدبي خاص به، يلتزم بالقيم الإسلامية ويعمل على نشرها، دون أن يحقق حضورا يذكر. وهكذا كان القرن الماضي عصر الأيديولوجيا بامتياز، وكان الأدب أحد ميادين صراع هذه الأفكار والرؤى، التي عملت على تقنين مفهوم الأدب، ومصادرة وعي الكاتب وحريته.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر