الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الدبلوماسية الثقافية المفقودة

بلداننا لم تتحرك إيجابيا لرسم سياسات ثقافية بديلة بموجبها يمكن لنا ابتكار أسلوب جديد يحقق نشر أرقى إنتاجنا الثقافي بكل تنوعاته وأشكاله التعبيرية، والتعريف بأصحاب هذا الإنتاج وبمخزوننا الحضاري.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/11/11، العدد: 10452، ص(15)]

خلال فترات الستينات والسبعينات وحتى مشارف التسعينات من القرن الماضي رفع في بلداننا شعار التصدي للغزو الثقافي الغربي، ولتفعيل هذا الشعار في الميدان عقدت العشرات من الندوات والحلقات الدراسية في معظم العواصم العربية وقيل لنا في ذلك الوقت إن الهدف منها هو تحصين هويات بلداننا من المد الرأسمالي الغربي ومما كان يسمى بمكروباته المتمثلة في التفسخ والانحلال الأخلاقيين وتشيّؤ القيم، والنزعة الفردية.

ولكن هذا الشعار انقرض بمجرد أن أصبح اقتصاد السوق، الذي هو أحد أركان الرأسمالية، عملة متداولة في بلداننا وبذلك سكتت المدافع المضادة للغزو الثقافي في بلداننا. وفي السنوات الأخيرة، وخاصة بعد انتشار موضة العولمة، برزت عبارات مغرية ذات طابع رومانسي في الغالب وراحت تتردد باستمرار على الألسنة منها مثلا عبارات: الحوار بين الثقافات والحضارات، وتناص الهويات، والحوار بين الأديان.

وفي هذا المناخ حفلت كتابات الكثير من رجال الدين غير المصابين برهاب الأصولية المتطرفة وأدبائنا ومفكرينا وحتى البعض من سياسيينا الذين نجد لديهم الاهتمام العابر بالجوانب الثقافية والروحية بالدعوات إلى التفتّح على ثقافات الآخرين وإلى تسويغ مفهوم الاختلاف والنظر إليه على أنه ضرورة لضمان نجاح التعددية الثقافية وصنع الهجنة.

وبعد انكشاف ألاعيب العولمة التي أريد لها أن تكون قناعا لإنشاء الشركات متعددة الجنسيات في دول العالم الثالث ومنها بلداننا وتحويلها إلى كانتونات تجمع فيها الأيدي العاملة الرخيصة وتسخرها لمصالحها من دون أي ضمانات أو حقوق ولو شكلية، عندئذ تفطن الجميع إلى أن هذا النمط من العولمة الوافدة من المراكز المهيمنة على الاقتصاد العالمي وعلى تكنولوجيات الإنتاج المتطورة لا تعني معرَابوها حقيقة نشر الثقافة الإنسانية الجديدة المتقدمة، والمعرفة التكنولوجية المتطورة، والرفاه الاجتماعي في فضائنا الجغرافي.

ورغم الوعي بكل هذه المصائب لم تتحرك بلداننا إيجابيا لرسم سياسات ثقافية بديلة بموجبها يمكن لنا ابتكار أسلوب جديد يحقق نشر أرقى إنتاجنا الثقافي بكل تنوعاته وأشكاله التعبيرية، والتعريف بأصحاب هذا الإنتاج وبمخزوننا الحضاري في المجتمعات الأجنبية وفق خارطة طريق محددة تنفذ عمليا بإحكام وتسخّر لها الكفاءات المبدعة والإمكانيات المادية القادرة على إنجاز هذا المشروع.

وفي هذا السياق نتساءل: لماذا فشلت الملحقيات الثقافية التي تلحق بسفاراتنا في مختلف دول العالم في تأسيس المؤسسات والمنابر التي تناط بها مهمة التعريف بإنتاجنا الفني والأدبي والفكري ومرتكزاته الحضارية في المجتمعات الإنسانية علما وأن ميزانيات سلكنا الدبلوماسي هائلة ولكنها لا تصرف على تفعيل وتخصيب الدبلوماسية الثقافية والفكرية والفنية بل إنها تهدر في مسائل يخجل المرء من ذكرها؟

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر