السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

من الإشارة يفهم

أفضل طريقة هي الموازنة بين اللين والحزم في توجيه الطفل نحو الخطأ والصواب، لأن أسلوب التعامل يمثل عاملا حاسما في تطور ونمو شخصية الطفل.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/11/11، العدد: 10452، ص(21)]

صورة بشعة من ذكريات المدرسة مازلت أحتفظ بكل تفاصيلها في ذاكرتي عن المعلم الذي درسني في الصف الثاني الابتدائي. لقد أراد ذلك المعلم أن يكون عبرة للتلاميذ، ليس بعلمه وأسلوبه البيداغوجي في تربية النشء وتعليمهم أصول اللياقة واللباقة، بل بعنفه المادي والمعنوي الذي مارسه تحت بند التأديب على تلميذ لم يتجاوز وقتها الثامنة من العمر، ليخلف له عاهة نفسية، ربما كانت السبب في جعله يتغيب عن أغلب الحصص في ذلك العام الدراسي، لينتهي الأمر به إلى الانقطاع عن الدراسة في عمر مبكر، على الرغم من أنه كان متفوقا في أغلب المواد العلمية.

لقد كان ذنب ذلك التلميذ أنه كتب كلمة نابية بالطباشير على اللوحة، ولما تفطن إليه المعلم صب عليه وابلا من العقاب المبرح، تراوح بين الصفع والجلد والشتم، ليصل الأمر إلى حد إجباره على لحس العبارة من على اللوح بلسانه. ردة فعل المعلم للأسف، لم تكن طبيعية على حدث طبيعي، فالطفل في هذه السن أعاد ما تعلمه، حتى من دون أن يفهم معناه، وهذا جانب آخر من الذكاء غير ذلك المطلوب لحل المسائل الرياضية والعلمية.

لقد كان الأجدى بالمعلم في ذلك الموقف ألا تخونه فراسته، ويتفطن عقله الواعي إلى أن ما كتبه التلميذ، ليس بالخطيئة الكبرى ليصب عليه جام غضبه، ويذيقه ألوانا من العقاب، بل عليه أن يدرك أولا وقبل كل شيء، أن الطفل لم يأت بشيء من عنده، فما كتبه ليس سوى تأثّر طبيعي بالأجواء الاجتماعية المحيطة به، فهو يرى ويسمع يوميا فئات مختلفة من الناس في البيت وفي التلفزيون وفي الشارع -بمن فيهم والديه والمدرسين- يستعملون عبارات الشتم بقدر استعمالهم للضمائر وأكثر، ولذلك لا حرج ولا لوم عليه إذا كان الكبار عاجزين عن كبح جماح ألسنتهم ويشتمون ويسبون في كل مقام ومقال.

وأفضل طريقة في مثل هذا الموقف هي الموازنة بين اللين والحزم في توجيه الطفل نحو الخطأ والصواب، لأن أسلوب التعامل يمثل عاملا حاسما في تطور ونمو شخصية الطفل. لقد مرت اليوم سنوات طويلة على تلك الواقعة التي طواها الزمن، ولكنها مازالت محفورة في ذهني، ولا أعتقد أن أحدا من زملائي قد نسي تلك اللحظات المفزعة التي زرعت فينا الخوف والرعب من المعلمين ومن المدرسة، وخاصة زميلي الذي تعرض للتعنيف على مرأى ومسمع منا.

وعندما التقيته مؤخرا بالصدفة في تونس، كدت لا أعرفه، ليس لأن الزمن قد غير الكثير في ملامح وجهه، بل لأن بريق النبوغ لم يعد يلمع في عينيه، فبادر هو بتحيتي وبتعريفي بنفسه، إلا أن فضول المرأة بداخلي دفعني إلى مناداته بالمهندس، ولكنه أطلق تنهيدة كادت تشق صدره تلتها ابتسامة صفراء واكتفى بالقول “يا حسرة على الدراسة لقد انقطعت عنها من الخامس ابتدائي”.

لم يبح زميلي بالسبب الحقيقي الذي دفعه إلى التخلي عن حلم ذلك الطفل الصغير الذي كان يريد أن يكون مهندسا عندما يكبر، ولكن تنهيدته كانت كافية لتكشف حجم الخسارة التي خلفها له العنف الذي مارسه عليه المعلم. ولذلك لا يجب أن تنتهي قصته هنا، أو ينظر إليها على أنها حكاية من حكايات الأذكياء الذين انقلبوا إلى أغبياء، ولم ينفعهم ذكاؤهم في حياتهم، لأن قصته تسلط الضوء على ظاهرة العقاب المادي والمعنوي التي مازالت سارية المفعول في العديد من الأوساط الأسرية والمدرسية، والاعتقاد الراسخ الخاطئ لدى الآباء والمدرسين أنها في مصلحة الطفل.

وفي الحقيقة لا يمكن معالجة هذه الظاهرة، إلا بعدم التغاضي عنها بتاتا، واتخاذ عقوبات صارمة ضد الفاعلين، من أجل وقاية الأطفال من العنف في المراحل الأولى من الحياة لتجنيبهم مخلفاته النفسية في المراحل اللاحقة من العمر.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر