الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

تفاحة ترامب

القصد هو تفاحة الشجرة المحرمة على آدم، والتي لم تقاومها جدتنا حواء، فتسببت لنا بكارثة انحطاط البشرية إلى الحدّ الذي نراه اليوم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/11/11، العدد: 10452، ص(24)]

لا يجب أن يمرّ هذا الحدث الكبير الذي تمثل بمفاجأة انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة دون إمعان التفكير فيه. فقد بدا الأمر كما حين يتمّ لصق صور مفجعة على علب السجائر للتحذير من التدخين، لتكون النتيجة المزيد من الإقبال على شراء تلك العلب من قبل المستهلكين. وهي سيكولوجيا تجارية متبعة، حتى في الصحافة، حين كانت الصحف تعنون البعض من زواياها بـ”لا تقرأ هذا الخبر”، فيكون عدد قراء تلك الزاوية أكثر من قراء أي مادة أخرى منشورة في الصحيفة ذاتها.

تمت شيطنة ترامب من قبل خصومه الديمقراطيين وفريق هيلاري كلينتون والإعلام الأميركي، ومراكز الاستفتاءات التي ثبت أنها لم تكن تعمل بشكل متطوّر، حتى أنها أهملت سؤال الناس عبر الهواتف الذكية، ومن يحملونها نسبتهم تتجاوز الـ40 بالمئة ممن يحق لهم التصويت. لذلك كله أعجبت الجموع بترامب وصوتت له، لأن مزاجها هكذا. وهذه تقنية خطرة، لا يجب أن يعبث بها من لا يحسنون قراءة المجتمعات. وكان يجب على أولئك الخصوم إدراك المستوى الذي أوصلوا إليه المجتمع الأميركي خلال سنوات مضت، قبل أن يضعوا الرجل في ميزان القيم، فالقيم الأميركية في حيص بيص، ولا أحد هناك يعرف ما الصواب وما الخطأ في عالم البراغماتية الأميركية.

يقول الإنكليز إن الفاكهة الممنوعة لذيذة وحلوة الطعم. وقد أجرت جامعة كولومبيا تجربة قبل سنوات، عرضت خلالها أشياء مختلفة على الأشخاص المشتركين، وقيل لهم إن هذه أشياء تعود ملكيتها لهم، وتلك ممنوعة عليهم.

ولأن العلم يكشف ما وراء الأشياء. فقد بيّن التصوير الطبقي الملوّن في تلك اللحظات، أن ردّ فعل الدماغ واهتمامه بالأشياء الممنوعة عليه، مطابق تماما لاهتمامه بالأشياء التي قيل له إنه يملكها. أي أنه أراد الحصول على تلك الممنوعات رغم معرفته بأنها ليست من حقه، وربما بسبب قولهم له هذا.

على أن هذا الحديث ليس حديث سياسة، بل في صميم الحياة اليومية للفرد والأسرة والمجتمع ككل. ولعله قد مضى على الإنسان حينٌ من الدهر، نسي فيه أن كل ممنوع مرغوب، وأن التحريم يغري بالاقتراب. ولذلك تجد أن ما حولنا أسيجة من حقول الألغام لمحرمات عديدة، لا يعرف مطلقوها أنهم إنما يستولدون سيولا من البشر ترغب فيها بشدة.

تلك المعادلة لا يجب أن تغيب عن التربية، ولا عن القيادة بمفهومها الواسع. فبالنهاية لا يمكنك أن تستبدل المشاركين في تجربتك، وعليك أن تدرك أنهم واقعون تحت تأثيرات فيزيولوجية بحتة، لا علاقة لها بقدراتهم على السيطرة على ما يريدون الحصول عليه.

العلوم الممنوعة مرغوبة، والسلوكيات الممنوعة مرغوبة، والأفكار الممنوعة مرغوبة، والألعاب الممنوعة مرغوبة. فلا سبيل إذن، إلا التوازن في الحظر والإتاحة، حتى لا تحتدم الأمور.

ولهذا اختار باحثو جامعة كولومبيا عبارة “التفاحة التي لا تُنسى” ليجعلوها عنوانا لتجربتهم. ومعلوم أن القصد هو تفاحة الشجرة المحرمة على آدم، والتي لم تقاومها جدتنا حواء، فتسببت لنا بكارثة انحطاط البشرية إلى الحدّ الذي نراه اليوم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

:: اختيارات المحرر